مقال

يوم اليتيم.. حينما يكون الوجع “أبًا وأمًا” على قيد الحياة


بقلم: عز الدين صلاح
في الجمعة الأولى من شهر أبريل، تتوجه الأنظار والقلوب نحو “اليتيم”، ذلك الصغير الذي غيبه الموت عن حضن والديه أو أحدهما. تفيض المشاعر، وتُوزع الهدايا، ويُمسح على الرؤوس تعاطفاً مع من فقد السند. لكن، بينما نحتفل بهذا اليوم، هل توقفنا لنسأل عن أولئك الذين يعيشون “اليتم” بمرارة أشد؟ عن أطفال تحت سقف واحد مع آباء وأمهات، لكنهم “أيتام” في واقع الأمر؟


يتم الضمير.. أبٌ حيّ ومسؤولية ميتة
إن أقسى أنواع اليتم ليس ذاك الذي يفرضه القدر بالموت، بل هو “يتم الضمير”. هناك أطفال يعيشون مع أبٍ غاب عنه معنى القوامة، رجل لا ينفق على أولاده، يترك الأم تكد وتكدح، تصارع أمواج الحياة وحدها، وكأنها أرملة لرجل لا يزال يتنفس. هؤلاء الصغار ينظرون إلى أبيهم كجثة هامدة تسكن البيت، لا سنداً يحميهم ولا ظهراً يستندون إليه.


غياب العاطفة.. حين تفقد الأم بوصلتها
وعلى الجانب الآخر، نجد صورة مؤلمة لأم تعيش وسط أبنائها، لكنها لا ترى إلا نفسها. غارقة في اهتماماتها الشخصية، ومستقبلها، وجمالها، أو حتى نزواتها، تاركةً خلفها أرواحاً تتضور جوعاً لضمة حنان أو نظرة اهتمام. هؤلاء هم “أيتام الأحياء”، الذين يملكون أماً بالاسم، ويفتقدون “الأمومة” في الجوهر.
ضحايا الانفصال.. أرواح تائهة في مهب الريح


أما الوجع الأكبر، فيتجلى في حالات الانفصال، حين يقرر الأب والأم المضي في طريقين مختلفين، تاركين خلفهم “بقايا إنسان”. أطفال يُقذف بهم في بيوت الأقرباء، لا أب يمسح دمعة، ولا أم تضمد جرحاً. يعيشون غرباء بين أهلهم، يحملون غصة الفقد وهم يشاهدون صور آبائهم في وسائل التواصل الاجتماعي وهم يمارسون حياتهم وكأنهم لم ينجبوا يوماً.
دعوة للرحمة الشاملة


إننا في هذا اليوم، لا نريد أن نقتصر في تعاطفنا على من فقد أبويه تحت التراب فقط، بل دعونا نفتح قلوبنا لكل طفل فقد “الرعاية” رغم وجود الراعي:
لنحنو على اليتيم القدرى: الذي فقد سنده بالموت، فنعوضه ببعض الأمان.


لنحنو على يتيم “الإهمال”: ذاك الذي يرى والده كل يوم ولا يرى منه إلا القسوة أو الجفاء.
لنمد يد العون للأم المكافحة: التي تقوم بدور الأب والأم معاً، ونشعر بعبء الصغار الذين يعيشون يتم الأب الحي.
لنجعلها جمعة “جبر الخواطر”


ليتنا لا نكتفي بالكلمات، بل نترجم هذا اليوم إلى حراك مجتمعي حقيقي. لنذهب إلى دور الأيتام، نزور الملاجئ، ونتفقد المستشفيات. لنرسم البسمة على وجوه أطفال قد لا يحتاجون لقطعة حلوى بقدر حاجتهم لشعور صادق بأنهم “مهمون” في هذا العالم.


ليكن يوم اليتيم صرخة في وجه كل أب ضيع أمانته، وكل أم نسيت فطرتها، وتذكيراً بأن اليتم الحقيقي هو يتم الخلق والمسؤولية، وليس يتم القبور.
ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *