وهج لا ينطفئ في مسارات الايام

بقلم/نشأت البسيوني
في اتساع الدنيا وتدافع اللحظات يولد داخل الانسان صوت خفي يدفعه الى مواصلة الدرب مهما ثقلت الايام ومهما تبدلت الوجوه ذلك الصوت الذي لا يسمعه سواه يصبح بمثابة البوصلة التي تشير الى الطريق حتى لو انطفأت كل الانوار من حوله ورغم ان العالم يمضي بسرعة تكاد تسحب معها الانفاس يبقى الانسان امام خيارين اما ان يسير مدفوعا بما يفرضه الواقع او ان يخلق لنفسه مسارا لا
يشبه غيره ويحفر على سطح الزمن اسما لا تضيع حروفه وهنا تظهر القيمة الحقيقية للقوة الداخلية تلك القوة التي لا ترى لكنها تشع في تفاصيل التصرفات في الصبر على ما لا يحتمل وفي الثبات حين يتراجع الجميع وفي الايمان بان كل خطوة مهما بدت صغيرة فهي تصنع فارقا في مكان ما نحن لا ندركه الان لكنها ستكشف عن نفسها حين تتقاطع الخطوات وتكتمل الصورة وفي رحلتنا الطويلة
نتعلم ان المجد ليس وعدا سهلا ولا هدية تمنح بلا مقابل بل هو حصيلة ايام مثقلة بالانتظار وساعات ممتلئة بالجهد ولحظات ضاغطة كان يمكن للمرء ان يستسلم فيها لكنه اختار ان يقف مقاوما وان يكمل الطريق لأن الكبار لا يصنعون بالصدفة ولا يرتفع اسم الا بعد ان يحمل صاحبه على كتفيه ما لا يراه الاخرون من تعب وتحديات واصرار وبين ضجيج الواقع ومحاولات التشتيت تظل
القدرة على التميز فنا قائما بذاته فنا يتطلب رؤية اوسع من حدود اللحظة وبصيرة تتجاوز ما يراه الناس في الظاهر فهناك دائما فرق بين من يتحرك لينجو ومن يتحرك ليصنع اثرا من يتحرك لأنه مضطر ومن يتحرك لأنه مدفوع بشغف لا يهدأ فالشغف هو الوقود الحقيقي لكل انجاز وهو النار التي لا تنطفئ ابدا في مسارات الايام مهما هبت عليها رياح الواقع وحين يقف الانسان على احدى
محطات الطريق ويلتفت الى الوراء يدرك ان كل لحظة صعبة كانت تبني فيه قاعدة لشيء اكبر مما توقع وان كل سقوط كان درسا ضروريا يصنعه اقوى وابرز وان كل نجاح مهما بدا بسيطا كان لبنة جديدة في صرح لم يكتمل بعد نحن لا نصبح اقوياء لأن الظروف سهلة بل لأننا نختار المواجهة ونختار الاستمرار ونختار ان نؤمن بأنفسنا رغم كل ما يشير عكس ذلك ومع امتداد الزمن يتضح ان
القيمة الحقيقية ليست في الوصول السريع ولا في الاحتفاء الوقتي بل في القدرة على الثبات الطويل في السير رغم التعب في الحفاظ على الروح منطفئة الزوايا والانطلاق بها نحو الاتساع في الامساك بالحلم وعدم التفريط فيه حتى لو تغيرت الطرق وتبدلت الوجوه فالعظمة لا تمنح بل تصنع وتصاغ على نار التجربة وتتشكل من مزيج لا يفهمه الا اصحاب الاصرار وهكذا يبقى الانسان الذي يعرف
قيمته ويمضي بخطاه الواثقة شعلة لا تنطفئ مهما احتشدت الظروف ليطفئها ويبقى وهجه ممتدا في مسارات الايام شاهدا على ان القوة ليست فيما نملك بل فيما نصنع وفيما نتركه اثرا لا يمحو الزمن صداه



