
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى اله وصحبه أجمعين أما بعد يقول الله تعالى “والنخل باسقات لها طلع نضيد ” والطلع، هو الذي يكون تمرا بمرور الزمن، فهو متراصف بعضه فوق بعض، يسر الناظر منظره، وعن سعد رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من تصبح بسبع تمرات” وفي لفظ ” من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر ” وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من قال سبحان الله العظيم غرست له نخلة في الجنة ” وعنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع نخلة، فقالت له امرأة من الأنصار يا رسول الله، إن لي غلاما نجارا، أفلا آمره يصنع لك منبرا؟ قال بلى، فإتخذ منبرا.
فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال فأن الجذع الذي كان يقوم عليه كأنين الصبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “إن هذا بكى لما فقد من الذكر” وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوي ويعالج فقال له يا محمد إنك تقول أشياء فهل لك أن أداويك؟ قال فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له “هل لك أن أريك آية؟” وعنده نخل وشجر، قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عذقا منها فأقبل إليه وهو يسجد ويرفع، ويسجد ويرفع رأسه حتى إنتهى إليه فقام بين يديه، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجع إلى مكانك، فرجع إلى مكانه فقال والله لا أكذبك بشيء تقوله بعدها أبدا، ثم قال يا عامر بن صعصعة إني والله لا أكذبه بشيء يقوله بعدها أبدا، قال والعذق النخلة، ويقول الإمام ابن القيم.
لقد صنف الجاحظ في المحاكمة بينهما مجلدا فأطال فيها الحجاج والتفضيل من الجانبين وفصل النزاع في ذلك أن النخل في معدنه ومحل سلطانه أفضل من العنب وأعم نفعا وأجدى على أهله كالمدينة والحجاز والعراق، والعنب في معدنه ومحل سلطانه أفضل وأعم نفعا وأجدى على أهله كالشام والجبال والمواضع الباردة التي لا تقبل النخيل وحضرت مرة في مجلس بمكة فيه من أكابر البلد فجرت هذه المسألة وأخذ بعض الجماعة الحاضرين يطنب في تفضيل النخل وفوائده وقال في أثناء كلامه ويكفي في تفضيله أنا نشتري بنواه العنب فكيف يفضل عليه ثمر يكون نواه ثمنا له وقال آخر من الجماعة قد فصل النبي صلي الله عليه وسلم، النزاع في هذه المسألة وشفى فيها بنهيه عن تسمية شجر العنب كرما وقال الكرم قلب المؤمن فأي دليل أبين من هذا وأخذوا يبالغون في تقرير ذلك.
فقلت للأول ما ذكرته من كون نوى التمر ثمنا للعنب فليس بدليل فإن هذا له أسباب احدها حاجتكم إلى النوى للعلف فيرغب صاحب العنب فيه لعلف ناضحه، وحمولته الثاني أن نوى العنب لا فائدة فيه ولا يجتمع الثالث أن الأعناب عندكم قليلة جدا والتمر أكثر شيء عندكم فيكثر نواه فيشترى به الشيء اليسير من العنب وأما في بلاد فيها سلطان العنب فلا يشترى بالنوى منه شيء ولا قيمة لنوى التمر فيها وقلت لمن إحتج بالحديث هذا الحديث من حجج فضل العنب لأنهم كانوا يسمونه شجرة الكرم لكثرة منافعه، وخيره فإنه يؤكل رطبا ويابسا وحلوا وحامضا وتجنى منه أنواع الأشربة والحلوى والدبس وغير ذلك فسموه كرما لكثرة خيره فأخبرهم النبي أن قلب المؤمن أحق منه بهذه التسمية لكثرة ما أودع االله تعالي فيه من الخير والبركة والرحمة واللين والعدل والإحسان
والنصح وسائر أنواع البر والخير التي وضعها الله في قلب المؤمن فهو أحق بأن يسمى كرما من شجر العنب ولم يرد النبي صلي الله عليه وسلم إبطال ما في شجر العنب من المنافع والفوائد وإن تسميته كرما كذب وإنها لفظة لا معنى تحتها كتسمية الجاهل عالما والفاجر برا والبخيل سخيا إلا ترى إنه لم ينفي فوائد شجر العنب وإنما أخبر عنه أن قلب المؤمن أغزر فوائد وأعظم منافع منها هذا الكلام أو قريب منه.

