مقال

مصر لغز التاريخ ومفترق أطماع العالم

 

 

بقلم/أيمن بحر

 

ليست مصر مجرد دولة على خريطة العالم بل حالة إنسانية فريدة تشكلت عبر آلاف السنين حتى صارت أسطورة قائمة بذاتها منذ فجر التاريخ وحتى اليوم وبينما تبدلت إمبراطوريات وسقطت حضارات بقيت مصر ثابتة في مركز المشهد وكأنها نقطة التقاء بين الماضي العميق والمستقبل الغامض ولهذا لم تتوقف أطماع الآخرين تجاهها في أي زمن

في عيون الكثيرين كانت مصر دائما أكثر من أرض وحدود فقد نظر إليها الفرس قديما باعتبارها موضع سر عظيم حيث تروى بعض الأساطير أن جذوة النار المقدسة التي لا تنطفئ توجد في أرضها وأن من يمتلك هذا السر يمتلك قوة لا تضاهى ولذلك ارتبطت مصر في خيالهم بمصدر للطاقة الروحية والسلطة الغامضة

أما في بعض التصورات المرتبطة بالعالم الشيعي فقد ظهرت رؤى تاريخية ترى أن القاهرة بما تمثله من إرث الدولة الفاطمية يمكن أن تكون مركزا لقيادة إمبراطورية واسعة تمتد نفوذها في العالم الإسلامي انطلاقا من مصر التي كانت يوما عاصمة لدولة حكمت مناطق واسعة من الشرق

وفي التراث الديني لدى اليهود ظهرت روايات وأساطير تتحدث عن ارتباط مصر بقصة تابوت العهد المفقود ذلك الرمز المقدس الذي يعتقد البعض أن العثور عليه ينهي لعنة ضياعه ويعيد القوة الروحية لأصحابه ولذلك ظلت مصر في المخيال الديني مكانا محتملا لأحد أعظم الأسرار الدينية

كما أن بعض التصورات المتطرفة داخل الفكر الصهيوني ربطت بين مصر وبين فكرة الملك الموعود الذي يحكم باسم الرب وهي تصورات أسطورية تتقاطع مع حلم المملكة التوراتية التي تمتد من النيل إلى الفرات وهو تصور ظل حاضرا في الأدبيات الأيديولوجية لدى بعض التيارات

ولم تتوقف الأساطير عند هذا الحد فهناك من يعتقد أن مصر تخفي معارف قديمة تعود إلى عصور سحيقة ويبحث بعض المهتمين بعالم الغموض عن أسرار الحكمة القديمة التي تنسب في بعض الروايات إلى نبي الله إدريس عليه السلام ويقال إن جذور هذه المعارف بقيت محفوظة في أرض مصر منذ عصور موغلة في القدم

وفي عالم الباحثين عن الأسرار القديمة تظل الحضارة المصرية القديمة واحدة من أعظم ألغاز التاريخ إذ يعتقد كثيرون أن علوم المصريين القدماء كانت متقدمة بصورة لم يكشف عنها بالكامل بعد وأن ما وصل إلينا من آثار ونصوص ليس سوى جزء بسيط من معرفة أوسع ما زالت تخفيها الرمال والبرديات

أما في دوائر عالم الغموض والخرافة فقد ظهرت نظريات تتحدث عن أهرامات الجيزة باعتبارها بوابات نجمية تربط الأرض بعوالم أخرى وهي أفكار لا تستند إلى دليل علمي لكنها تكشف إلى أي مدى أصبحت مصر مركزا للأساطير والتفسيرات الغامضة لدى البعض حتى وصلت تلك التصورات إلى جماعات تتخيل أن هذه الأماكن تحمل مفاتيح لعوالم خفية

لكن الحقيقة الأهم تبقى أن مصر ليست مجرد مسرح للأساطير بل هي مهد تاريخ الإنسانية وبداية تشكل الضمير الحضاري للبشرية ففي أرضها وادي النيل نشأت واحدة من أقدم الحضارات التي علمت العالم معنى الدولة والنظام والعلم والروح الإنسانية

مصر كانت دائما بؤرة حضارة وملتقى طرق للأمم وأرضا عبرت فوقها الأفكار والديانات والجيوش لكنها بقيت في النهاية وطنا للحياة ومخزونا للخير عبر العصور والأجيال ولهذا بقيت لغزا للماضي وسرا للمستقبل ومكانا يحمل في طياته قدرا خاصا لا يشبه أي مكان آخر في العالم

وهكذا ستظل مصر كما كانت دائما بداية الحكاية ومرآة التاريخ ومفتاحا لفهم رحلة الإنسان على هذه الأرض فليت قومي يعلمون.

صفاء مصطفي

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *