ادب

مصر بوابة السلام لا ساحة الحرب

رؤية بقلم : عماد نويجي

لماذا لا تتحرك مصر لإنهاء الاقتتال بين السعودية والحوثيين بدلا من انتظار جولة جديدة من الصراع قد تدفع المنطقة كلها إلى حافة الانفجار

في الشرق الأوسط لا تنقصنا الأسلحة بقدر ما تنقصنا الإرادة التي تمنع استخدامها ولا تنقصنا أسباب الحرب بقدر ما نحتاج إلى من يمتلك الشجاعة السياسية لفتح أبواب السلام

وبينما تتشابك الأزمات الإقليمية وتزداد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات يبرز سؤال يستحق أن يوضع أمام صناع القرار في القاهرة

لماذا لا تكون مصر صاحبة مبادرة عربية جادة تستهدف وقف الاقتتال بين المملكة العربية السعودية والحوثيين في اليمن وتفتح الطريق أمام مصالحة تنهي سنوات من الاستنزاف وتعيد إلى البحر الأحمر قدرا من الأمن والاستقرار

إنها ليست دعوة إلى دور رمزي أو تحرك دبلوماسي غايته تسجيل موقف سياسي في سجل الأحداث بل دعوة إلى مبادرة تستند إلى حسابات الأمن القومي المصري وتدرك أن الحرب الدائرة في محيط البحر الأحمر ليست بعيدة عن المصالح المصرية وأن استمرار التوتر قد تكون له أثمان اقتصادية واستراتيجية لا تستطيع القاهرة تجاهلها

مصر لا تحتاج إلى جبهة جديدة بل تحتاج المنطقة إلى صوت مصري يمنع اتساع الجبهات لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الانتصار العسكري لا يضمن دائما سلاما دائما وأن الحروب التي تبدأ تحت عناوين محددة قد تتسع أهدافها وتتعدد أطرافها حتى يصبح الخروج منها أصعب من قرار الدخول إليها

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف يمكن لمصر أن تنخرط في صراع جديد بل كيف تستطيع أن تمنع تحول الصراع القائم إلى حرب إقليمية أوسع

إن الجيش المصري مؤسسة وطنية تحمل مسؤولية حماية الأرض والسيادة والأمن القومي ولا ينتقص من قوته أن تسبق الدبلوماسية قرارات المواجهة بل إن من علامات قوة الدولة أن تمتلك من أدوات السياسة ما يجنبها اللجوء إلى القوة إلا حين تفرض الضرورة ذلك

فليس مطلوبا من مصر أن تنسحب من قضايا المنطقة أو أن تتخلى عن مسؤولياتها العربية وإنما المطلوب أن تمارس دورها بما يحفظ مصالحها ويمنح الحلول السياسية فرصة حقيقية

من الرياض إلى صنعاء طريق لا ينبغي أن يظل مفتوحا أمام الحرب وحدها

إن المملكة العربية السعودية تمثل ثقلا رئيسيا في المنطقة وترتبط بمصر بعلاقات استراتيجية وثيقة كما أن استقرار اليمن يمثل مصلحة مباشرة لجيرانه وللدول العربية المعنية بأمن البحر الأحمر

وفي المقابل فإن الحوثيين طرف رئيسي في الصراع اليمني لا يمكن تجاوز وجوده عند البحث عن تسوية قابلة للاستمرار

ومن ثم فإن أي مسار جاد لإنهاء الاقتتال لا بد أن يتعامل مع المخاوف الأمنية السعودية ومع المطالب السياسية اليمنية وأن يسعى إلى صياغة تفاهمات متبادلة تحول دون العودة إلى المواجهة

وهنا يمكن للقاهرة أن تبدأ من موقعها العربي وعلاقاتها مع الرياض وأن تعمل بالتنسيق مع سلطنة عمان والأطراف اليمنية المعنية على تهيئة الظروف اللازمة لاستئناف الحوار

ولا يعني ذلك أن مصر تستطيع فرض المصالحة على أحد أو أن نجاح المبادرة مضمون سلفا وإنما يعني أنها تستطيع أن تقدم إطارا سياسيا يساعد الأطراف على اختبار فرص التفاهم والانتقال من منطق المواجهة إلى منطق المصالح المتبادلة

إن السلام لا يتحقق بتجاهل مخاوف الأطراف بل بالاعتراف بها والبحث عن ضمانات عملية لمعالجتها

قد يكون التواصل مع إيران أحد المسارات المساندة لأي تحرك مصري يستهدف وقف التصعيد في اليمن والبحر الأحمر بالنظر إلى علاقاتها بالحوثيين وما يمكن أن تتيحه الاتصالات السياسية من فرص للتأثير في مسارات التهدئة

لكن الواقعية تقتضي ألا نفترض أن طهران تملك قرار الحوثيين بصورة مطلقة أو أن تفاهم القاهرة معها سيوقف القتال تلقائيا

فالأزمة اليمنية لها جذورها الداخلية وحساباتها المحلية والإقليمية ولا يمكن اختزالها في تفاهم بين عاصمتين

ولذلك فإن المطلوب هو تحرك متوازن يجمع بين التنسيق مع المملكة العربية السعودية والحوار مع إيران والاستفادة من الدور العماني والتواصل المباشر مع الأطراف اليمنية المعنية

وإذا استطاعت مصر أن تسهم في بناء تفاهمات واضحة بشأن وقف الهجمات وخفض التصعيد وحماية الملاحة فإنها تكون قد حققت تقدما يخدم أمن المنطقة ومصالحها من دون أن تضع جنودها أمام مخاطر حرب جديدة

إن أمن البحر الأحمر وباب المندب يرتبط ارتباطا وثيقا بالمصالح المصرية فكل اضطراب يهدد حركة السفن ينعكس على التجارة الدولية وقد يفاقم الضغوط على قناة السويس والاقتصاد المصري

ومن هنا فإن التحرك المصري لإنهاء الاقتتال لا ينبغي أن يتوقف عند حدود العلاقة بين السعودية والحوثيين بل يجب أن يستهدف حماية الملاحة المدنية ومنع استخدام الممرات البحرية وسيلة للضغط السياسي والعسكري

ويمكن للقاهرة أن تدعو إلى تفاهمات إقليمية تضمن وقف الهجمات التي تهدد الملاحة وتضع آلية واضحة لمتابعة الالتزامات وتفتح المجال أمام معالجة الأسباب التي تغذي التوتر

إن حماية البحر الأحمر لا تتحقق بالاستعداد العسكري وحده مهما بلغت أهميته بل تحتاج أيضا إلى بيئة سياسية مستقرة وإلى تفاهمات تمنع تجدد التهديدات عند كل خلاف

يمكن أن تنطلق المبادرة المصرية من هدف محدد يتمثل في دعم وقف الاقتتال بين المملكة العربية السعودية والحوثيين وتثبيت التهدئة ومنع الهجمات العابرة للحدود

ثم تنتقل إلى مسار تفاوضي أوسع يتناول الضمانات الأمنية وتبادل الالتزامات ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية المرتبطة بالصراع

وبالتوازي مع ذلك ينبغي دعم مسار سياسي يمني شامل يشارك فيه اليمنيون المعنيون ويهدف إلى تسوية مستدامة تحفظ سيادة اليمن ووحدته وتضع مصالح شعبه في مقدمة الأولويات

ويجب ألا تتحول المبادرة إلى اتفاق مؤقت يمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس قبل جولة جديدة من القتال بل ينبغي أن تتضمن آليات متابعة واضحة وخطوات تدريجية لبناء الثقة ومعالجة الخلافات

كما ينبغي أن تتحرك القاهرة بالتنسيق مع الجهود الأممية والدولية القائمة حتى لا تتعدد المسارات بصورة تضعف فرص الوصول إلى نتيجة عملية

فالمبادرة الناجحة ليست تلك التي تحظى بأكبر قدر من التصريحات بل التي تستطيع أن تحول التفاهمات إلى التزامات قابلة للتنفيذ

إن مصر ليست مطالبة بأن تحمل وحدها عبء إنهاء الصراع اليمني ولا أن تقدم نفسها باعتبارها صاحبة الحل الوحيد لكنها تستطيع أن تكون شريكا مؤثرا في صناعة تسوية عربية وإقليمية تقلل احتمالات الحرب وتحمي المصالح المشتركة

إننا نريد لمصر أن تحضر في المشهد بقوة موقفها وحكمة سياستها وقدرتها على جمع الأطراف لا أن تجد نفسها أمام خيارات عسكرية تفرضها تطورات لم تبذل الجهود الكافية لاحتوائها

فالقوة ليست في عدد المعارك التي تخوضها الدول بل في قدرتها على حماية شعوبها من كلفة الحروب وفي قدرتها على تحويل النفوذ السياسي إلى نتائج تحفظ الأرواح وتصون المصالح

ومن هنا فإن المبادرة المصرية لوقف الاقتتال بين السعودية والحوثيين ليست مجرد فكرة تستحق النقاش بل خيار سياسي يستحق الدراسة الجادة والتحرك المدروس

فإذا كانت الحرب تستنزف الموارد وتوسع دائرة العداء فإن السلام يمنح الدول فرصة لإعادة بناء الثقة وتوجيه طاقاتها نحو التنمية والاستقرار

والسؤال الذي أضعه أمام الرأي العام وصناع القرار ليس ما إذا كانت مصر قادرة على خوض حرب جديدة وإنما ما إذا كانت قادرة على توظيف مكانتها وعلاقاتها لمنع حرب جديدة

إن القاهرة تملك فرصة لأن تجعل من الدبلوماسية طريقا لتقريب المسافات بين الرياض وصنعاء وأن تدعم جهدا إقليميا يوقف الاقتتال ويعيد الاعتبار للحل السياسي

قد لا يكون الطريق سهلا وقد لا تستجيب الأطراف منذ اللحظة الأولى لكن المبادرات الكبرى لا تبدأ بضمان النجاح بل بإدراك أن كلفة الاستسلام لمنطق الحرب قد تكون أفدح من كلفة السعي إلى السلام

فلتكن مصر بوابة المصالحة بين السعودية والحوثيين ولتكن حماية الدماء وأمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة هي العناوين الكبرى لأي تحرك مصري قادم فمصر القوية ليست التي تدخل كل حرب بل التي تعرف متى تمنح السلام فرصته ومتى تجعل من حكمتها السياسية قوة تحمي الوطن وتخدم الأمة وتصم الأذان عن كل دعاة دق طبول الحرب بدماء الجندى المصرى خارج الحدود فهى بلا شك مجاملة سياسية مرفوضة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى