
بقلم/ حسام النوام
في لحظة إقليمية فارقة، تتشابك فيها خيوط السياسة مع نيران الصراعات، وتتصاعد فيها حدة الخطاب الإعلامي، تعود مصر لتقف في موقعها الطبيعي: دولة ارتكاز لا يمكن تجاوزها، وصوت عقل يسعى إلى التهدئة وسط ضجيج المواجهات. ورغم هذا الدور التاريخي، تتعرض الدولة المصرية اليوم لحملات ممنهجة تستهدف تشويه صورتها، والتقليل من مكانتها، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بحرب إيران، في محاولة لإعادة رسم الوعي العام بصورة مغايرة للواقع.
مصر، التي كانت عبر العصور “أم الدنيا”، لم تكن يومًا دولة هامشية في محيطها، بل كانت دائمًا في قلب المعادلة. من دعم حركات التحرر، إلى رعاية اتفاقات السلام، مرورًا بدورها المحوري في الحفاظ على استقرار المنطقة، ظلت القاهرة لاعبًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه. هذا الدور لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لعقيدة راسخة تقوم على حماية الأمن القومي العربي، والوقوف إلى جانب الأشقاء في أوقات الأزمات.
ومع تصاعد الأحداث المرتبطة بإيران، لم تنجرف مصر إلى خطاب التصعيد، بل تمسكت بثوابتها القائمة على التوازن، والحفاظ على الاستقرار، والدفع نحو الحلول السياسية. وهو ما جعلها عرضة لهجوم إعلامي مكثف، يعتمد على التضليل وتزييف الحقائق، في محاولة للنيل من هذا الدور أو تقزيمه. لكن التاريخ لا يُمحى، والوقائع على الأرض تظل أقوى من أي روايات مغلوطة.
الحملات التي تستهدف مصر اليوم ليست عشوائية، بل تأتي في سياق أوسع يسعى لضرب الدول ذات التأثير الحقيقي في محيطها. فالدولة التي تمتلك قرارها، وتحافظ على توازنها، وتدير ملفاتها بعقلانية، تصبح بطبيعة الحال هدفًا لكل من يسعى إلى خلق الفوضى أو إعادة تشكيل المنطقة وفق أجندات ضيقة.
ورغم هذه الضغوط، يظل الداخل المصري متماسكًا. شعب يدرك حجم التحديات، ويعي طبيعة المرحلة، ويقف خلف دولته وقيادته في مواجهة أي محاولات للنيل منها. هذا الاصطفاف الوطني ليس جديدًا على المصريين، بل هو جزء من هويتهم التي تشكلت عبر آلاف السنين، حيث كانت الدولة دائمًا خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن دور مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، التي تمثل الدرع الحامي، والقوة التي تحفظ التوازن في لحظات الخطر. جيش وطني يحمل على عاتقه مسؤولية الدفاع عن الأرض، وفي الوقت ذاته يشارك في دعم جهود التنمية، ويؤكد أن قوة الدولة ليست فقط في سلاحها، بل في تماسك مؤسساتها.
وفي قلب هذه المنظومة، تقف القيادة السياسية، ممثلة في عبد الفتاح السيسي، التي تقود الدولة في واحدة من أدق المراحل التاريخية، حيث تتداخل التحديات الاقتصادية مع الضغوط الإقليمية، وتتعاظم فيها الحاجة إلى قرارات حاسمة ورؤية واضحة. وقد اختارت مصر، تحت هذه القيادة، أن تسير في طريق التوازن، لا الانجراف، وأن تدافع عن مصالحها ومصالح أشقائها دون الدخول في مغامرات غير محسوبة.
إن مصر اليوم، رغم كل ما تواجهه من حملات تشويه وضغوط، تثبت مرة أخرى أنها دولة بحجم التاريخ، وبقوة الحاضر، وبرؤية للمستقبل. دولة لا تنكسر أمام الشائعات، ولا تتراجع أمام التحديات، بل تمضي قدمًا، مستندة إلى شعبها، وجيشها، ومؤسساتها.
وفي خضم الضجيج، تبقى الحقيقة واضحة: مصر ستظل “قد الدنيا”، ليس فقط بشعارات تُقال، بل بواقع يُبنى، ودور يُمارس، ومواقف تُسجل في صفحات التاريخ. هي دولة تقف مع أشقائها، تدافع عن استقرارهم، وتسعى إلى السلام، مهما حاولت حملات التشويه أن تحجب هذه الصورة.
مصر… كانت وستبقى، أكبر من كل محاولات النيل منها، لأنها ببساطة دولة تعرف قدر نفسها، وتدرك جيدًا أن قوتها الحقيقية في وحدتها وصلابة موقفها.