مقال

مرايا تتحرك داخل العقول


بقلم/نشأت البسيوني

في كل مرحلة من مراحل الحياة تتشكل داخل الإنسان مرايا خفية لا ترى بالعين لكنها تعكس أعمق ما يدور في داخله من أفكار ومخاوف وآمال وذكريات وتلك المرايا تتحرك باستمرار كأنها كائن حي يتنفس ويتغير ويتفاعل مع كل لحظة يعيشها الإنسان وقد يبدو الأمر بسيطا في الظاهر لكن الحقيقة أن تلك الحركة الداخلية هي التي تحدد مسار الإنسان بالكامل فهي التي تدفعه نحو حلم أو

تعيده إلى نقطة البداية أو تجعله يقف في منتصف الطريق لا يعرف هل يستمر أم يتراجع هذه المرايا ليست ثابتة بل تتلوّن وتتبدل بحسب تجارب الإنسان فحين يمر بلحظة نجاح تتسع المرايا أمامه وتنعكس عليها صورة قوية وواضحة تجعله يرى نفسه أكبر مما كان يظن وحين يواجه خيبة ما تتشقق تلك المرايا وتظهر ظلالا غامقة تجعل الإنسان يشك في نفسه لحظة ثم يعود ليعيد ترتيب شظاياها

ليصنع منها صورة جديدة أقوى من السابقة وهنا يكمن سر النمو الداخلي فالمرآة التي تنكسر قد تعكس الحقيقة أكثر من المرآة السليمة وعندما يختلي الإنسان بنفسه في آخر الليل يبدأ حوار صامت بينه وبين تلك المرايا يسألها وتسأله وتكشف له ما لم يحاول مواجهته طوال اليوم وربما طوال سنوات فهذا الحوار الداخلي هو الذي يبني الشخصية الحقيقية لا ما يظهره الإنسان أمام الآخرين

ففي الخارج نحن نرتدي أقنعة ونتحدث بطريقة محسوبة لكن في الداخل نتحدث بصوتنا الحقيقي الذي لا يخضع لأي تزييف أو محاولة لإرضاء أحد وهناك مرايا من نوع آخر مرايا تصنعها الكلمات التي يسمعها الإنسان من الآخرين كلمة تشجعه فتفتح أمامه أبوابا لم يكن يجرؤ على طرقها وكلمة تهينه فتغلق نوافذ كثيرة في داخله وربما تسبب ندبة طويلة المدى لذلك ينبغي على الإنسان أن يعرف

أي المرآة يصدق وأي المرآة يجب أن يحطمها قبل أن تعكس له صورة مشوهة عن نفسه ومع مرور الوقت تتجمع كل تلك المرايا لتشكل لوحة كبيرة اسمها الهوية فيها خطوط عميقة رسمتها التجارب المؤلمة وألوان زاهية صنعتها لحظات الفرح وخيوط دقيقة كونتها القرارات الصغيرة التي لم ينتبه لها أحد لكنها غيرت الكثير في الطريق الذي سار فيه الإنسان هذه اللوحة لا يراها الناس كاملة

لكنهم يشعرون بملامحها في أسلوب الإنسان في طريقة تعامله في ردود فعله في نظرة عينيه حين يفكر أو يبتسم تبقى الحقيقة واحدة أن الإنسان لا يعيش في مكان واحد بل يعيش في عالمين عالم خارجي يراه الجميع وعالم داخلي لا يراه أحد سوى تلك المرايا المتحركة التي تحكي حكايته كاملة دون أي مجاملة وكلما فهم الإنسان مراياه أكثر كلما فهم نفسه أكثر وكلما فهم نفسه استطاع أن يفهم الحياة ويعيد ترتيبها بما يناسب روحه لا بما يفرضه عليه الواقع

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *