ادب

سالي النجار تكتب ايوه ممكن الرجل يتخطف


هذه الفكرة عميقة وتلمس واقعاً خفياً؛ فالبيوت لا تُهدم دائماً بغياب الأخلاق، بل بغياب “الانتباه”. الرجل الصالح لا يتغير فجأة، بل يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرمان والإنهاك، وهنا تتدخل امرأة لعوب، فارغة تماماً ومتفرغة لاصطياد فريستها، لتسلب البيت حصنه.


كان “عمر” زوجاً صالحاً وأباً متفانياً، يتحمل مسؤولياته كالجبل الصامد. وكان يعشق زوجته “ندى” ويقدّر طحن الأيام لها بين الأبناء والمنزل. ولكن خلف ثباته، كان هناك قلب ينبض ببطء، جفّ فيه نبع العاطفة دون أن يشعر أحد، فبات صيداً سهلاً لامرأة تملك رفاهية الوقت ولا شغل لها سوى رصد الثغرات. وفي زحمة المعركة اليومية، نسيت ندى أن هذا البطل يحتاج بدوره إلى بطلة تحميه من نساء يتقنّ فن الصيد واقتناص الرجال المنهكين.


في صباح قارس، خرج عمر دون إفطار لأن الصغير ظل يبكي حتى الفجر ولم تستيقظ ندى. جلس في مكتبه يشعر ببرد في أطرافه وفراغ أكبر في روحه. دقت الباب “رولا”، الزميلة اللعوب الفارغة من أي التزام، والتي تملك فائضاً من الوقت تكرسه للتربص بالتفاصيل. دخلت وفي يدها علبة أنيقة تفوح منها رائحة القهوة وسندوتشات دافئة، وقالت بمكر ونعومة:
“أعلم أن زوجتك يعينها الله على المسؤولية فلم تستيقظ لتعد إفطارك.. لم يطاوعني قلبي أن أراك هكذا. لو كنتُ مكانها، لأعطيتك من الاهتمام ما ينسيك تعب الدنيا، فمثلك لا يُهمل يوماً”.


شعر عمر بوجع في قلبه، لم تكن السندوتشات هي ما أشبع جوعه، بل ذلك الاهتمام المسموم من امرأة متفرغة تماماً لتدليله واصطياده، لتنجح الأفعى في غرس أول أنيابها في حصنه.
في الأسبوع التالي، نشب خلاف عابر بين عمر وندى، وكانت النفوس مشحونة. استغلت “شيرين” ابنة خالته الموقف، وهي امرأة لا تحمل هماً ولا يسكن يومها صخب الأطفال. جلست معه وبنبرة تقطر سماً مغلفاً بالشفقة قالت:
“أنت كثير عليها يا عمر.. هي لا تفهم النعمة التي بين يديها. لو كنا تزوجنا، لأفنيتُ عمري لأسعدك ولما تركت الحزن يلمس عينيك”.


كانت كلماتها كالزيت على النار، ولم يكن عمر يبحث عن الخيانة، لكن هذه المرأة اللعوب المتربصة نجحت بفراغها في حفر نفق مظلم داخل عقله الباطن، وبدأت تخطف ولاءه لبيته.
مرت الأيام، وفي صباح روتيني خرج عمر على عجل، ونسيت ندى المجهدة أن تراجع هندام قميصه وهي تنظف ما سكبه الصغير على الأرض. عند وصوله للعمل، استقبلته زميلة أخرى بكامل أناقتها، واقفة بملل

تبحث عن صيدها اليومي، وقالت بابتسامة عريضة ومكر:
“ما كل هذه الأناقة والوسامة اليوم؟ بالتأكيد زوجتك تتغزل بك كل صباح قبل أن تخرج، يا لبختها بك!”
كان عمر يصرخ داخله طلباً للثناء، ولم يخطر بباله النقي أن هذه المرأة اللعوب متفرغة تماماً، خالية من أي واجب، ولو وُضعت في مكان زوجته وطُحنت بطحن الأيام لما استطاعت حتى أن تتنفس. إنها ببساطة تقتات بفراغها على بقايا تقصير غير مقصود من زوجة مجهدة، لتختطف رجلاً أضعفه الجوع العاطفي.


لم يخن عمر جسدياً، ولكنه “اُختطف” تماماً شعورياً وفكرياً؛ تغلغل هذا الاهتمام المزيف من نساء جعلن من اصطياده وظيفة يومية لهن. عاد إلى المنزل، وبدافع بقايا الحب طلب من زوجته الاهتمام: “ندى، أريدك أن تنظري إليّ”.. ولكن ندى المتعبة نظرت إليه قائلة: “ألا ترى ما أنا فيه؟ ألا يكفيك أنني أفني نفسي لأجل بيتك وأبنائك؟”


في تلك اللحظة، أغلق عمر كتاب عتابه، وأدرك أن البيت دافئ بالمسؤولية، ولكنه بارد بالمشاعر. واستسلم ضعفاً لا كُرهاً، ووقع فريسة سهلة في شباك امرأة لعوب بلا أخلاق، مكرسة تماماً للاستيلاء عليه؛ امرأة تسرق رجلاً صالخاً لم يختطفه بريق المحرمات، بل اختطفه الجوع إلى كلمة طيبة والهروب إلى حضن امرأة تفرغت تماماً لسرقته.


نعم، الرجل الصالح يُخطف، وتستطيع امرأة لعوب، فارغة ومتفرغة، أن تسرقه من وسط عائلته إذا وجدت الثغرة. لا تتركوا حصونكم فارغة بحجة التعب، فاللصوص لا يسرقون البيوت الخربة، بل يترصدون بفراغهم القاتل البيوت العامرة التي نسي أصحابها إغلاق النوافذ.
الكاتبة والشاعرة سالي النجار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى