كتبت /منى منصور السيد
طفلة لم تتجاوز ربيعها الخامس، تحولت في لحظة غدر غاشمة من أيقونة براءة تملأ الدنيا بهجة، إلى ضحية جديدة تنضم إلى سجل ضحايا الحروق والعنف الأعمى في الشارع. قصة ليلى ليست فصلاً من رواية بائسة، بل هي واقع مرير تجسدت فيه أبشع معاني الانتقام؛ حين قرر شخص نزع إنسانيته واستخدام “مية النار” كسلاح لتصفية حساباته مع امرأة، ولأن القدر ساق الطفلة البريئة لتكون برفقة والدتها داخل حافلة بسيطة “تكتك”، وقعت الكارثة. وبدلاً من أن تصيب المادة الحارقة هدفه المقصود، انسكبت بنيرانها الحاقدة على ليلى وأمها، لتبدل حياة طفلة صغيرة إلى الأبد، مشوهةً ملامح وجهها، وغادحةً عينيها، وحارقةً نصف رأسها وبراءتها.
المرارة الحقيقية لا تكمن فقط في النيران التي التهمت جسد ليلى الغض، بل في نيران خذلان المجتمع الذي أحاط بأسرتها؛ حين تبارت أصوات واهية تطالبهم بالصمت والمغفرة تحت زعم “لم يكن يقصد، بلاش تطلعوا وتتكلموا”. كيف يُطلب من أسرة احترق قلبها على طفلتها المنكوبة أن تلوذ بالصمت؟ وكيف يستقيم العدل حين يصدر بحق الجاني حكم بالحبس سنة مع وقف التنفيذ، مستنداً إلى مبرر قانوني يثير الذهول؛ وهو أنه “لم يكن يقصد ليلى”! وهل كان قصده إحراق إنسانة أخرى يمنحه صك البراءة أو يخفف وزر الجريمة؟ إن هذا التكييف الذي يتعامل مع الفاجعة كإصابة خطأ، يتغافل عن جوهر الجريمة الحقيقي، وهي أنها جريمة عنف واستخدام سلاح كيميائي فتاك دمر حياة طفلة كاملة.
أمام هذا المشهد المأساوي، برزت مستشفى “أهل مصر” لعلاج الحروق وبالمجان كطوق نجاة وملاذ آمن لاحتضان ليلى، حيث بدأت رحلة شاقة لإنقاذ حياتها وإجراء عمليات جراحية دقيقة لفتح جفون عينيها وترميم ما دمرته النيران، مصحوبة ببرامج دعم وتأهيل نفسي مكثف للطفلة ولأسرتها المكلومة. هذا الدور الإنساني العظيم لم يكن ليتكامل لولا الرؤية الملهمة والإصرار المستمر من الدكتورة هبة السويدي، رئيس مجلس أمناء مؤسسة أهل مصر، والتي نذرت جهودها لتبني قضايا ضحايا الحروق، وتوفير أرقى مستويات الرعاية الطبية والنفسية لهم، محولةً المستشفى من مجرد صرح علاجي إلى منبر يدافع عن حقوق هؤلاء الضحايا ويعيد دمجهم في المجتمع بكرامة.
إن قصة ليلى تضع المنظومة التشريعية أمام مسؤولية تاريخية وإنسانية تستوجب حراكاً فورياً لتعديل القوانين القائمة. ومن هنا تصدر المطالبة بضرورة تصنيف جرائم العنف بالحرق بكافة أشكاله وصوره كـ “حق دولة” أصيل لا يسقط بالتقادم، ولا يتأثر بتنازل المجني عليه أو تعقد الأدلة الإجرائية. يجب أن ينظر المشرّع إلى الحرق بمية النار باعتباره شروعاً في قتل وتشويهاً عمداً يستهدف إنهاء حياة الضحية معنوياً وجسدياً، حتى لا يفلت مجرم من العقاب تحت عباءة “الخطأ في توجيه الفعل”، فليس هناك دليل أقوى، ولا صرخة أعدل، من ملامح طفلة دُمرت حياتها بالكامل وتنتظر أن ينصفها القانون.

