الممر المئة بقلم / محمد جابر
تلعب الصدفة أحيانا دور كاشف داخل هذا الممر المعقد حين جلس إلى جواري في الحافلة رجل في منتصف الأربعينيات يشاهد على هاتفه أحد الفيديوهات القادمة من قنوات معادية من خارج الوطن لم يجذبني المقطع ذاته بقدر ما شدني انبهاره بما يقال وحين لاحظ نظرتي إليه فاجأني بقوله
أنا ليبرالي مش إخواني بس بحب أسمع ونشوف بيقولوا إيه علينا
أثار ذلك شجوني ودفعني إلى التساؤل من هؤلاء ولماذا ترتفع نسب مشاهداتهم وعلى أي أفكار يلتفون كنت أحدث نفسي بصوت مسموع فسمعني شاب يجلس أمامنا في الباص بدا عليه حزم فكري
فقال في أوقات الاستقرار تبدو التيارات الفكرية متمايزة في رؤياها ومواقفها لكن لحظة الأزمة تعيد تشكيل الخريطة السياسية والفكرية فتظهر تحالفات تبدو متناقضة في الظاهر
ثم أردف من أبرز هذه الظواهر اندماج بعض التيارات الليبرالية مع جماعة الإخوان المتأسلمين وهو اندماج لا ينبع من وحدة فكرية بقدر ما تحركه اعتبارات سياسية ظرفية حيث لا تظهر طيور الظلام إلا في العتمة
على أطراف هذا الممر كانت الأفكار تتجاذب بين مفهوم الليبرالية بوصفها فلسفة سياسية واجتماعية تقوم على مركزية الفرد وحرية الضمير والتعبير وسيادة القانون والفصل بين السلطات وتقييد سلطة الدولة لصالح حقوق المواطن وهي نتاج صراع تاريخي طويل ضد الاستبداد السياسي والديني وسعي لترسيخ الدولة المدنية التي تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية لا من المرجعيات الدينية أو الأيديولوجيات المنغلقة
كما ترى الليبرالية أن الديمقراطية نظام أصيل للحكم لا مجرد أداة للوصول إلى السلطة بل إطار دائم لتنظيم العلاقة بين الحكومة والمحكوم ضمن حوكمة تقوم على الشفافية والمساءلة والمشاركة وحماية الأقليات وحقوق الإنسان
كما تقوم أيديولوجية جماعة الإخوان المتأسلمين على تصور نابع من تفسيرات مغلوطة للإسلام اتخذ طابع تنظيمي شمولي هرمي البنيان أعاد صياغة مفرداته لتشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع
تسعى الجماعة إلى إقامة دولة تستند إلى مرجعية دينية مع اختلاف الصيغ المعلنة بين الخطاب الدعوي المؤدلج والخطاب السياسي الممول حيث تحوي تنظيم قائم على السمع والطاعة والانضباط وتتعامل مع الديمقراطية بوصفها وسيلة إجرائية مرحلية للوصول إلى الحكم لا قيمة أصيلة في ذاتها وهكذا تصبح العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة امتثال لا علاقة حقوق ومساءلة
هنا تتراجع الأيديولوجية لصالح تحالفات اضطرارية حيث يجتمع المختلفون حول هدف مرحلي مشترك وقد شهدنا نماذج واضحة لذلك مثل مواقف البرادعي مع جماعة الإخوان في مراحل من الحراك السياسي وتعاون شخصيات ليبرالية مثل أيمن نور وعمرو حمزاوي ومطر وناصر وزوبع إلى جانب بعض الوجوه الإعلامية والفنية ضمن شبكات وتحالفات سياسية مشتركة كما شهدت حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير اصطفافات ضمت ليبراليين ويساريين وإخوان متأسلمين رغم التناقضات الفكرية العميقة بينهم إلا أنهم ظهروا في إطار واحد
ورغم وحدة هذه التحالفات الظرفية يبقى التناقض قائم بين المشروع الليبرالي القائم على الدولة المدنية والديمقراطية والحوكمة الرشيدة بوصفها قيم أصيلة وبين المشروع الإخواني القائم على المرجعية الدينية ومركزية القرار الهرمي
وهنا يبرز جوهر النقاش حول الديمقراطية بوصفها أداة تكتيكية أم قيمة تأسيسية فالليبرالية ترى الدين شأن روحي فردي بينما ترى الجماعة فيه مرجعية سياسية وتشريعية عليا تحكم المجال العام
يكشف هذا الاندماج الوهمي المؤقت هشاشة المشهد السياسي في أوقات الاضطراب والأزمات الاقتصادية ويؤكد أن التحالفات التي تقوم على الضرورة لا القناعة سرعان ما تتفكك عند أول اختبار يتعلق بطبيعة الدولة وشكل الدستور وحدود السلطة الدينية في المجال العام
ويبقى السؤال مفتوحا هل يمكن لتحالف يقوم على الضرورة لا القناعة أن يصمد أمام اختبار ديمقراطية حقيقية وحوكمة رشيدة متوازنة بين الحكومة والمحكوم وصراع وعي الهوية

