2- لماذا كان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؟
بقلم الأديب د : كامل
عبد القوى النحاس
المقال الثانى :
لم يكن الإسراء مجرد اختصارٍ للمسافات، أو حدثاً إعجازياً غايته إبهار العقول فحسب؛ بل كان هندسةً إلهية للمسار، واختياراً دقيقاً لنقطتي البداية والنهاية، ليُرسخ حقيقةً كبرى: أن هذا الدين ليس فصلاً جديداً في تاريخ البشرية، بل هو “خاتمة الكتاب” الذي بدأت أولى كلماته منذ فجر النبوة.
المسجد الحرام.. مهد الانطلاق وجذر الأصالة
بدأت الرحلة من مكة، من “البيت العتيق”، لتؤكد أن هذه الدعوة لا تنبت في فراغ. اختيار المسجد الحرام كنقطة انطلاق هو إعلان صريح بأن الرسالة الخاتمة هي الثمرة الشرعية لشجرة التوحيد. لقد كان البدء من حيثُ وُضع الأساس الأول للعبادة على الأرض، ليبقى المعنى محفوراً في الوجدان: لا يمكن للفرع أن يطاول السماء ما لم يكن متمسكاً بجذره الضارب في أعماق التاريخ. فمكة هنا ليست مجرد جغرافيا، بل هي “مركز الثقل” الذي انطلق منه نداء التوحيد الأخير ليطوف الآفاق.
المسجد الأقصى.. الغاية التي احتضنت الميراث
لم يكن الأقصى محطة في طريق عابر، بل كان هو “الوجهة والمقصِد”. فالقدس هي الأرض التي شهدت زحام الأنبياء، وفي رحابها تلاقت الرسالات. وصول النبي ﷺ إلى الأقصى كان بمثابة “إعلان الوصل لا الفصل”.
هنا، في هذه البقعة المباركة، تلاشت الحدود بين الزمان والمكان، ليعلن الله للعالمين أن ميراث النبوة الطويل، منذ آدم مراراً بإبراهيم وموسى وعيسى، قد استقر أخيراً في عهدة أمة محمد ﷺ. فالأقصى لم يعد مجرد مكان مقدس لطائفة، بل صار “أمانة كونية” في عنق الرسالة الخاتمة.
إمامة الصلاة.. مشهد التسليم الروحي العظيم
في قلب الأقصى، حدثت الواقعة التي لخصت فلسفة الوجود الإسلامي: صلاة النبي ﷺ بالأنبياء. هذا المشهد هو “وثيقة الاستلام والتسلم” الكبرى؛ حيث اصطفّ الأنبياء خلف “الخاتم” في إقرارٍ كونيّ بأن وحدة الإيمان أقوى من اختلاف الشرائع.
هذه الصلاة كانت تأكيداً على أن القيادة الروحية للعالم قد انتقلت، وأن الأقصى هو “المحراب” الذي شهد هذا الانتقال التاريخي، مما جعل مكانته عقديةً متجذرة في أصل الإيمان، لا مجرد ذكرى عابرة في صفحات التاريخ.
امتحان اليقين..
لم يقل النبى عليه السلام: “سريت” وإنما قال:
” أسرى بى”
لقد جاء الإسراء ليكون الفارق بين إيمان التسليم وإيمان المادة. حين قال القرآن: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، كان ينزع الفعل عن القدرة البشرية ويُسنده إلى الذات الإلهية.
كانت الرحلة امتحاناً للقلوب؛ لتمييز من يقف عند حدود “المألوف والممكن”، ومن يثق في “خبر السماء والمطلق”. كلمة “بِعَبْدِهِ” هنا هي ذروة التشريف، لتقول لنا: إن الوصول إلى الأقصى كان بجبروت الله وفضله، ليظل المسلم مرتبطاً بالخالق لا بالوسيلة.
الأقصى والهوية.. الرابطة التي لا تقبل الانفصام
إن ذكر المسجد الأقصى في قرآنٍ يُتلى إلى يوم القيامة، هو تثبيتٌ للهوية الإسلامية في تلك الأرض. الإسراء ربط بين مكة والقدس برباطٍ عقديّ لا يملكه بشر، وجعل من التفريط في أحدهما تفريطاً في الآخر.
لقد أعاد الإسراء تعريف الانتماء؛ فالمسلم ينتمي إلى “سلسلة الوحي” التي بدأت في مكة وتوجت في القدس. ومن هنا، صار الأقصى جزءاً من تكوين المسلم النفسي والروحي، وميزاناً لمدى استمساكه بميراث نبيه.
خاتمة
إن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان إعادة صياغة للتاريخ الجغرافي للروح. لم تكن رحلة انتقال مكاني، بل كانت رحلة “تثبيت الأمانة” وتحديد مسؤولية الأمة عن مقدساتها.
هنا كانت البداية (مكة)، وهنا كان الوصول (القدس)، وفي هذا المسار ثبت المعنى الذي لا يتبدل: أننا أمةٌ موصولةٌ بالأنبياء، مكلّفةٌ بحراسة التوحيد، ووارثةٌ لكل قداسات الأرض.

