كلمة الفراق في ساعة الغضب
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن من أهم الأسباب التي تؤدي إلي الخلافات الزوجية هو الإنشغال بوسائل التواصل، فاذا نظرت في حال كثير من البيوت وجدت أن الزوج منشغل بهاتفه عن زوجته، وهي كذلك منشغله بهاتفها عن زوجها، وكذلك الأبناء كل منشغل عن الآخر، فلا يوجد بينهم حوار بناء ولا مناقشة لأحوالهم، ولا إجتماع بينهم للعلم عن الله ورسوله المصطفي صلي الله عليه وسلم وترك ما لا يفيد من أخبار غالبيتها ضياع للأوقات التي سيحاسبوا عليها، حتى وجدنا أنه لما تحدث مشكلة للزوجة مثلا تضع المشكلة على وسائل التواصل لتبين سوء أخلاق الزوج، أو الزوج يبين سوء أخلاق الزوجة، فلا تنحصر المشكلة بينهما داخل البيت، وانما ليعلم بها العالم كله، وكأن هذا هو الحل لسائر المشكلات، وأن ما تسعى له من بناء أسرة مع زوجها قد يحتمل فيه كل شيء، حتى لو بعدت عن أهلها، ولم يكن معهودا أن تثير المشكلات الصغيرة الزوج أو الزوجة.
فتطلب الزوجة الطلاق، أو يتحداها الزوج فيرمي بكلمة الفراق في ساعة غضب، فهذه المشكلات لم يكن دورها سوى أن تثير بعض زوابع خفيفة سرعان ما تمضي لأن هناك أعظم منها مما يهتمون به ويشغل فكرهم من بناء أسرة قوية ومن سعي لطلب الرزق، إضافة إلى أنه على رغم صغر سن الأزواج آنذاك، إلا أن قلة عدد حالات الطلاق بهذا السبب أمر يثير التفكير، أهي حكمة وأناة ولين جانب إمتاز بها الزوج والزوجة، أم أن هناك ظروفا أخرى من إحاطة الأهل بهذه الأسرة الوليدة ومشاورة الأهل وأصحاب الحكمة وأولي النهى فيما يستجد من بوادر المشكلات، لها دور في تقليل عدد حالات الطلاق، وفي تثبيت أركان هذه الأسرة؟ ولكن لماذا غدت كلمة طالق أو طلقني أسهل من السلام عليكم؟ فهل من يعنيهم الأمر من زوج وزوجة لا يفهمان ماذا تعنيه تلك الكلمة؟
وما التوابع واللواحق والنتائج والآثار والمصائب التي تترتب على تلك الكلمة؟ ودعكم من أن بعض الطلاق رحمة، فهذا لا أعنيه، ولكن ما أقصده حين تغتال تلك الكلمة حكمة الرجال وصبر النساء، ويعزف بها على جرح الألم والفراق، حين تئن البيوت وتتسع الجراحات، وحين تتضعضع المنازل لأسباب تذكرنا بنزاعات الأطفال على أشيائهم، لكن الأطفال سرعان ما يعودون ويدملون جراحهم، أما الكبار فإن جراحهم تظل تثعب دما، ولقد تفشت في زماننا اليوم ظاهرة الطلاق بصورة كبيرة جدا، وإن من أسباب هذا الجرح النازف هو غياب الحكمة، حيث يمدح الرجل بالحكمة والإتزان، وكذلك المرأة حين يكون من أول مواصفاتها أنها امرأة رزينة ومتأنية عاقلة، وإن غياب تلك الصفة يعني إنهيار الحياة السعيدة ثم سقوط برج الزواج.
لكن الملاحظ أن كثيرا من الناس يفتقر إلى الحكمة في إتخاذ القرارات، وخصوصا قراري الزواج والطلاق، وهما القراران اللذان يرسما منعطفا خطيرا في حياة الفرد، فزيجات كثيرة تتم دون السؤال الكافي من الزوج عن المرأة، وعن تربيتها، عن دينها ومقدار تمسكها به وحرصها عليه، فقد يكتفي كثير من الرجال بالمواصفات الخارجية، وزيجات كثيرة تتم على عجل دون سؤال عن الزوج، إذ يكتفى أيضا بمقدرته المالية أو نسبه الرفيع أو حتى أين سيقيم حفل الزفاف وأين سيمضي بزوجه شهرا من العسل؟ وهنا تختفي الحكمة حين يكون من أسباب الطلاق توافه الأمور، فهذه امرأة تم طلاقها لأنها لم تجيد طبخ نوع من الطعام فأين الحكمة هنا؟ وأخرى طلقها زوجها حين أفسدت آلة من أدوات المنزل وثالثة إختلفت وجهات نظرها مع وجهات نظر زوجها، فكان الطلاق حاسما لهذا الخلاف وهكذا الكثير والكثير من توافه الأمور.
وهذا زوج أخذته العزة فرمى كلمة الطلاق على زوجته تحديا حين طلبت ذلك وغير ذلك، فهناك أمثلة كثيرة توضح أن الحكمة قد غابت أو غُيّبت في مثل تلك المواقف، والحكمة مطلوبة من الطرفين، لكنها في حق الرجل أوجب وذلك لأن زمام الأمور بيده، والمرأة قد تستعجل في لحظة إنفعال وغضب فتطلب الفراق، لكنها حين تسمع الكلمة سرعان ما تعود إلى نفسها فتندم، ولات ساعة مندم، لو يدرك كلا الطرفين أن الإستعجال في إتخاذ القرارات وإرتجالية المواقف ينتج عنه عواقب وخيمة لكليهما لو أدركا لكان للحكمة موقف هنا.


