
تحقيق – علاء صقر
من قلب الشارع تبدأ الحكاية
في أحد شوارع حي عين شمس، وبين ضجيج المارة وتقلبات الحياة اليومية، تقف قصة إنسانية استثنائية بطلتها الحاجة أم وليد، التي لم تكتفِ بالتعاطف مع كلب شارع ضال، بل حوّلت هذا التعاطف إلى التزام يومي استمر لأكثر من أربع سنوات، ليصبح الكلب «بازوكا» شاهدًا حيًا على أن الرحمة لا تزال حاضرة في قلوب البسطاء.
أربع سنوات من الرعاية.. دون عدسات أو شعارات
تقول مصادر مقربة من الحاجة أم وليد إن رعايتها لـ«بازوكا» بدأت بدافع إنساني خالص، دون انتظار مقابل أو شهرة، حيث اعتادت يوميًا على إطعامه وسقايته من نفس الطعام الذي تتقاسمه مع زوجها المسن وأفراد أسرتها، معتبرة أن رعاية كائن ضعيف واجب أخلاقي قبل أن يكون عملًا تطوعيًا.
وخلال هذه السنوات، نشأت علاقة ثقة متبادلة بين الطرفين، انعكست في سلوك الكلب الهادئ وتعاملاته الآمنة مع الأسرة، ليصبح جزءًا ثابتًا من المشهد اليومي للمنطقة.
التحول المفاجئ.. حين تصنع القسوة أزمة
وخلال الأيام الماضية، لاحظت الحاجة أم وليد تغيرًا ملحوظًا في سلوك «بازوكا»، حيث ظهرت عليه علامات توتر وعدوانية غير معتادة، ما أثار مخاوف الأهالي وتساؤلاتهم حول أسباب هذا التحول.
وبحسب ما توصل إليه التحقيق، فإن الكلب تعرض لسوء معاملة متكرر من بعض المارة، تمثل في الترهيب والاعتداء اللفظي والبدني، وهو ما تسبب في دخوله في حالة نفسية سيئة أفقدته الشعور بالأمان، ودفعته إلى تجنب التعامل مع أي شخص خارج دائرة الأسرة التي اعتاد الثقة بها.
رأي المتخصصين.. الصدمة النفسية للحيوان حقيقة علمية
وفي هذا السياق، تؤكد الأستاذة فاطمة الزهراء، مسؤولة إحدى جمعيات الرفق بالحيوان، أن الحيوانات، خاصة الكلاب، تتأثر نفسيًا بسوء المعاملة، وقد يظهر ذلك في صورة عدوانية أو انعزال.
وأضافت أن تعديل هذا السلوك يتطلب تدخلًا مهنيًا سريعًا، وبرامج تأهيل تعتمد على إعادة بناء الثقة، وليس العقاب أو العنف، مشددة على أن تجاهل هذه الحالات قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة وتهديد سلامة الجميع.
تحرك عاجل ومسؤولية إنسانية
وعلى الفور، بادرت الحاجة أم وليد بالتواصل مع جمعية الرفق بالحيوان، حيث تم التنسيق مع الكابتن محمد أبو العز، مدرب متخصص في تعديل سلوك الكلاب، لوضع خطة علاجية متكاملة تستهدف إخراج «بازوكا» من أزمته النفسية وإعادته إلى حالته الطبيعية.
وتحملت الحاجة أم وليد كامل تكاليف العلاج والتأهيل، إضافة إلى احتياجات الكلب اليومية، في موقف يعكس حجم المسؤولية التي تحملتها تجاه كائن اعتبرته جزءًا من حياتها وليس عبئًا عابرًا.
تكلفة الرحمة.. أرقام ومعانٍ
وبحسب مصادر من الجمعية، فإن برامج تعديل السلوك والعلاج النفسي للحيوانات تتطلب جهدًا ووقتًا وتكاليف ليست بالقليلة، إلا أن الحاجة أم وليد أصرت على الاستمرار في العلاج حتى اكتماله، مؤكدة أن الرحمة لا تُقاس بالمال، بل بالالتزام والاستمرار.
مسؤولية مجتمعية.. أين يقف الشارع؟
ويطرح التحقيق تساؤلات حول دور المجتمع في التعامل مع الحيوانات الضالة، خاصة في ظل تكرار وقائع سوء المعاملة، التي لا تؤدي فقط إلى إيذاء الحيوان، بل قد تتسبب في مشكلات سلوكية تهدد السلم المجتمعي.
ويؤكد مختصون أن نشر ثقافة الرفق بالحيوان، وتفعيل دور الجمعيات الأهلية، والتوعية القانونية، يمثل حلولًا أساسية للحد من هذه الظواهر.
رسالة تتجاوز القصة
قصة الحاجة أم وليد لا تُعد حالة فردية بقدر ما هي نموذج إنساني يعكس كيف يمكن لفرد واحد أن يُحدث فارقًا حقيقيًا، ويعيد التوازن لكائن ضعيف تعرض للقسوة.
ويبقى «بازوكا» شاهدًا على أن الرحمة قادرة على إنقاذ الأرواح، وأن الرفق بالحيوان ليس ترفًا، بل مسؤولية أخلاقية ومجتمعية، تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع بأكمله.

