بقلم: الأديب المفكر
د. كامل عبد القوي النحاس
اليوم الثانى :
غذاء الروح…
تراتيل التزكية في محراب الصيام
استهلال: حين يهدأ ضجيج الطين
بعد عبور عتبات الأيام الأولى من رمضان،
يطرأ على الإنسان تحول عجيب،
حيث يبدأ ضجيج الجسد بالخفوت،
وتتهاوى نوازع المادة التي ألفت الصخب طوال العام،
لتفسح مكاناً لنداء آخر كان مكتوماً خلف زحام الشهوات المتلاحقة.
إنه نداء الروح التي طال اغترابها في صحراء الماديات.
حين يرتوي الجسد بعد الإفطار، ويظن المرء للوهلة الأولى أنه قد نال كفايته واستعاد توازنه،
يشعر بجوع من نوع آخر، جوع خفي ينبض في أعماق قلبه.
هو جوع لا تسده مائدة الأرض بكل ألوانها، ولا يرويه ماء النهر بكل عذوبته.
إنه البحث عن السكينة التي تغسل أدران العام، والطمأنينة التي تملأ زوايا النفس المهجورة التي أهملناها في زحام الأيام.
معمل التزكية: فلسفة الفجور والتقوى
إن الصوم الحقيقي في جوهره ليس معركة بيولوجية مع المعدة،
بل هو رحلة إلى الداخل، واستكشاف عميق لأغوار النفس البشرية.
هناك، في تلك المساحة الغامضة، كشف الله لنا سر تكويننا حين أقسم قسماً عظيماً، فقال سبحانه:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]
النفس في الرؤية القرآنية ليست كياناً بسيطاً، بل هي ساحة صراع كبرى بين الضدين،
جذورها تمتد في تراب الفجور،
وأفقها يتطلع إلى سماوات التقوى.
الصيام هو المختبر السنوي الذي نختار فيه بوعي أي القوى نغذي.
فحين نمتنع عن المباح من الطعام والشراب، نحن لا نمارس حرماناً، بل نمارس ترجيحاً واعياً لكفة التقوى على كفة الفجور.
أنت في رمضان قبطان هذه البوصلة الداخلية،
إما أن تزكي نفسك عبر الصعود بها نحو النور، أو تدسيها وتطمر أشواق قلبك تحت ركام الغفلة.
خطر التدسية الصامتة
علينا أن ندرك أن التدسية ليست دائماً انغماساً في فجور صاخب أو خطايا كبرى،
بل هي في الغالب إهمال صامت،
وتأجيل متكرر للحظة الوقوف مع الذات،
وانشغال رقمي وعاطفي يسرق منا حضورنا الذهني والقلبى.
التدسية هي الغبار الذي يتراكم على مرآة القلب حتى ينطفئ ضوء الإيمان، ويصبح الجسد مجرد هيكل يؤدي حركات بلا روح.
يأتي الصيام ليكون عملية تنقيب عن هذا النور المطمور،
ليعيد إليك ذاتك الأصيلة التي تاهت في أروقة الانشغالات اليومية.
فلسفة ساعة الإيمان: ترميم الروح
لقد فقه الرعيل الأول من الصحابة الكرام هذه الحقيقة بعمق،
فكانوا يتعاملون مع الإيمان ككيان حي يحتاج إلى سقاية وترميم.
يروي الإمام أحمد وأبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله عنه، أن الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد صاحبه ويقول له في مودة بالغة:
تعال بنا نؤمن ساعة.
لم يكن ابن رواحة يشك في إيمانه، وهو البدري الشهيد، بل كان يطبق فلسفة الترميم الروحي.
فالقلب يصدأ، والروح تبلى بالاستعمال، وضجيج الحياة يسرق حضورنا مع الله. وحين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر ذلك، زكاه بقوله: يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تباهي بها الملائكة.
هذه الساعة التي ننشدها في رمضان ليست زمناً محدوداً بالدقائق،
بل هي حالة روحية تستقطع من عمر الدنيا، يوقف فيها الصائم عقارب الانشغال، ليجالس ربه، ويناجي خالقه، ويعيد حسابات نفسه.
هي اللحظة التي تتحول فيها العبادة من عادة نؤديها بتثاقل، إلى نور نتزود به لمواجهة ظلمات الحياة.
هندسة التزكية: مائدة السماء
التزكية في مدرسة الصيام ليست تأملاً سلبياً أو اعتزالاً للحياة،
بل هي هندسة يومية دقيقة للروح، تقوم على أركان أربعة:
أولاً: غذاء الذكر
وهو ليس مجرد حركة آلية للسان، بل هو حضور كلي بالقلب.
كل تسبيحة في نهار الصيام هي مسحة طهر تمسح كدر اليوم،
وكل تحميدة هي فتح لآفاق الرضا في النفس،
فالذكر هو الحبل الذي يربط الأرض بالسماء.
ثانياً: غذاء الخلوة
أن تجلس مع الله وحدك، بعيداً عن صخب الشاشات والوجوه المرهقة.
في تلك الخلوة تنكشف العيوب المستترة،
ويبدأ الترميم الحقيقي للمبنى الروحي الذي تصدع بفعل الأيام.
ثالثاً: غذاء التأمل والاستبصار
لحظات الصمت المهيب بعد الإفطار أو قبيل السحر، حيث تتفكر في آي الذكر الحكيم، فتفيض العين شوقاً، وتلهج النفس توبة واستغفاراً.
هذه اللحظات هي التي تفتح أبواب القبول وتجعل الدعاء مخلصاً ومستجاباً.
رابعاً: غذاء الخلق الكريم:
وهو الثمرة العملية للتزكية. الصوم عن الغضب والكبر والقسوة هو قمة الرقي الإنساني.
أن تعفو وتلين وتنبسط يدك بالخير، متمثلاً قدوتك الأسمى صلى الله عليه وسلم الذي كان في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة.
الخاتمة: ولادة الإنسان الجديد
رمضان هو الموسم الكوني لإعادة ترتيب الداخل.
إذا نجحت في ترتيب فوضى نفسك وطهرت ردهات قلبك، نلت غذاء سماوياً لا يجوع بعده القلب أبداً.
الصوم الحقيقي ليس فيما تتركه في طبقك من طعام، بل في ذلك الإنسان الجديد الذي يولد في أعماقك مع كل سجدة خاشعة ودعاء صادق.
تأمل اليوم الثانى:
بعد أن ارتوى جسدك بفضل الله، هل فتشت لقلبك عن نصيبه من مائدة السماء؟
أي ساعة إيمان ستستقطعها اليوم من وقتك المزدحم، لتزيل أثر التدسية وتبدأ رحلة السمو الحقيقي؟
تذكر أن جائزة الصابرين الصادقين هي مباهاة الملائكة، والنداء الأعلى الذي تنخلع له القلوب حباً:
أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم.

