مقال

فلسفة التمكين ومنطق العبودية: قراءة في مناجاة يوسف وسليمان عليهما السلام”؛سلسلة مقالات فى حضرة الصيام 25


سلسلة مقالات فى حضرة الصيام 25

بقلم الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس

​الافتتاحية:

​من أعجب المفارقات التي يكشفها البيان القرآني المعجز، ويجليها التأمل في سِيَر المصطفين من الأنبياء، أن لحظات التمكين الكبرى في حياتهم لم تكن وقفات نشوة مادية بالسلطان، ولا مظاهر افتتان بشري بالقوة والعلو.

​بل كانت في جوهرها استغراقاً مهيباً في مقام الانكسار بين يدي الديان.

إنها اللحظة التي يذوب فيها حظ النفس أمام جلال المنعم، وتتلاشى فيها الأنا لتبرز حقيقة العبودية المحضة.

​فحين يبلغ الإنسان ذروة الملك، أو يبلغ شأو العلم، أو يستحوذ على ناصية الحكمة، قد تداهمه أوهام الاستغناء.

​كما تستدرجه لذة السيطرة الغريزية، التي توحي له بامتلاك زمام القدر.

​أما الأنبياء وهم معلمو البشرية فقد صاغوا النموذج الضد؛ فكلما اتسعت لهم آفاق الدنيا، ازدادوا افتقاراً إلى غيبها.

​وكلما ارتفعت مكانتهم في قلوب الخلق، ازدادوا تواضعاً في محراب الخالق.

​وهنا تتجلى الروعة الإلهية في ختام قصة يوسف الصديق وفي ثنايا مشهد سليمان الحكيم.

​حيث لا يتبدل الإيمان بالسطوة، ولا يتضخم الوعي بالنجاح، بل يرسخ الخضوع كلما تجذّر التمكين.

​إننا أمام عبودية التمكين التي هي أرقى من عبودية الاضطرار، لأنها اختيار الأقوياء الذين عرفوا أن مصدر قوتهم هو الاعتراف بالضعف أمام الله العلى القدير.

​الاستهلال:

​تمثل قصة يوسف عليه السلام الملحمة القرآنية الأسمى في رسم مسارات القدر المدهشة.

فهي رحلة تبدأ من ظلمة الجب حيث الوحشة والضياع، وتُختتم بعروش مصر حيث السلطان والجاه والقرار.

​غير أن اللحظة الأكثر عمقاً وفلسفة في هذا السياق لم تكن في البروتوكول السياسي للحكم، ولا في لحظة العناق العاطفي مع الأسرة بعد غياب مرير.

​بل كانت في تلك المناجاة الكونية التي ارتقت بها روح يوسف إلى الملأ الأعلى.

​لقد كان يوسف في قمة انتصاره الأخلاقي والسياسي، حين رفع يديه وكأنه يخلع رداء الملك الدنيوي ليرتدي ثوب العبودية الأبدي، قائلاً بلسان العارفين:

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يوسف 101

​لقد حاز يوسف مجد الدنيا من أطرافه؛ ملكاً عريضاً، وعلماً لدنياً، وجلالاً في الطلعة.

​لكنه في مقام الشكر لم يطلب استدامة السلطة، بل سأل أمان الخاتمة.

​المعيار في ميزان النبوة ليس في بلوغ القمة فحسب، بل في القدرة على الثبات على النور حتى النفس الأخير.

​الموضوع:

الدرس الأول: التمكين لا يورث الاستغناء فلسفة الافتقار

​بينما يرى عموم الناس في السلطان هيبة وصولة، يراه الأنبياء أمانة ثقيلة ومسؤولية كبرى لا ينجي منها إلا الله.

​يوسف عليه السلام في لحظة جرد الحساب لم يقل: رب زدني ملكاً.

​ولم يطلب تخليد ذكره في سجلات الفاتحين، بل تضرع قائلاً توفني مسلما.

​هذا الدعاء يختزل فلسفة الوجود الكبرى.

​ليست العبرة بما يحوزه المرء في قبضة يده من عرض الدنيا، بل بما يستقر في سويداء قلبه من التوحيد.

​لقد أدرك يوسف أن الملك زائل، وأن الجاه فانٍ، وأن النجاة الحقيقية تكمن في البقاء على عهد الإسلام حتى لحظة اللقاء.

​إن التمكين هنا لم يكن حجاباً بينه وبين ربه، بل كان مرآة صقيلة عكست عظم الافتقار الإنساني للثبات الإلهي.

​فكلما قويت أسباب التمكين، زادت الحاجة إلى مدد التثبيت.

الدرس الثاني: شكر النعمة حارس التمكين منهج سليمان

​وفي مشهد موازٍ من مشاهد النبوة والتمكين، يقف سليمان عليه السلام أمام ملك معجز لم يؤتَ لأحد من قبله.

​ملك تخر له الجبابرة ساجدة، وتنقاد له الريح والجن والحيوان.

​لكن هذا السلطان الأسطوري لم يمنعه من سماع صوت ضئيل لنملة تحذر قومها.

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ (النمل 19)

​في ذروة السطوة، لم ينشغل سليمان بعرض جيوشه، بل انشغل بهاجس أداء حق الشكر.

​لقد أدرك الحكيم أن النعمة قيد لا يفكه إلا الاعتراف بالمنعم، وأن التمكين بلا شكر هو استدراج خفي.

​وهنا يتجلى قانون إيماني وسياسي معاً:

كل قوة لا تُربط بمرجعية أخلاقية عليا تنقلب طغياناً، وكل نجاح لا يُنسب لصاحب الفضل الحقيقي يتحول إلى سجن من الغرور.

​الشكر عند سليمان لم يكن مجرد كلمة، بل كان استراتيجية حماية للمكتسبات الإلهية.

الدرس الثالث: التواضع في مقام الاصطفاء زمرة الصالحين

​رغم علو مقام النبوة وصفاء جوهر الرسالة، كان الأنبياء أشد الناس وجلًا من تقلب المصائر.

​لذا ختم يوسف دعاءه قائلاً وألحقني بالصالحين.

​تأمل في هذا التواضع المذهل؛ يوسف الصديق الذي طهر الله قلبه، لا يرى لنفسه مقاماً منفصلاً عن عباد الله الصالحين، بل يرجو أن يكون مجرد فرد في زمرتهم.

​هذا الدرس يعلمنا أن المؤمن الحق، ومنه القائد والمفكر، لا يرى نفسه فوق الخلق بفضل أوتيه، بل يخشى دوماً التقصير في حق خالقه.

​إن التمكين الحقيقي هو الذي يهبط بك في سجود الافتقار كلما ارتقيت في سلم المكانة.

​إن الرغبة في اللحاق بالصالحين هي اعتراف بأن الهوية الحقيقية للإنسان ليست في منصبه، بل في انتمائه لمدرسة الصلاح الكونية.

الدرس الرابع: الرحمة هي المرفأ والنجاة نهاية المطاف

​هنا يلتقي دعاء سليمان بيوسف في غاية واحدة، هي الباب الوحيد للولوج إلى الملكوت:

وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.

​لقد جرد سليمان نفسه من كل أسباب القوة المادية.

​لم يتوسل بجنوده، ولا بخزائنه، ولا بحكمته التي بهرت بلقيس.

​بل توسل بالرحمة.

​هذا هو اليقين النبوي الخالص؛ الأعمال مهما عظمت هي مجرد بذل واجتهاد وامتثال للأمر، أما القبول والنجاة فمردهما لفضل الله ورحمته.

​لقد علمنا الأنبياء أن العمل طريق، لكن الرحمة هي الميناء.

​ومن ظن أن تمكينه بجهده وحده فقد ضل سواء السبيل، ومن تيقن أن توفيقه برحمة ربه فقد وضع قدمه على أول طريق الخلود.

​الخاتمة:

​هكذا يرسم لنا القرآن الكريم، عبر تقابل دعاء يوسف ودعاء سليمان، لوحة متكاملة لجوهر الإيمان في حياة القادة والأنبياء.

​يوسف في أوج ملكه يسأل حسن الختام ليؤكد أن الغاية هي اللقاء.

​وسليمان في ذروة سلطانه يرجو الشكر والرحمة ليؤكد أن الوسيلة هي الوفاء.

​إن العظمة الحقيقية لا تقاس باتساع الدنيا بين يدي الإنسان.

​بل في أن يبقى القلب محراباً خالصاً، يسجد فيه العبد لربه خضوعاً.

​والكون كله مسخر بين يديه امتثالاً.

​إنها معادلة التمكين والعبودية، حيث يكون العبد أعز ما يكون حين يمرغ جبهته في تراب الافتقار لخالقه.

​التأمل:

الاستقامة والقمة:

أعظم عطايا الله للعبد ليست في بسط الدنيا له، بل في بسط الهداية في قلبه حتى النفس الأخير.

عقد الشكر:

الشكر ليس مجرد لفظ عابر، بل هو العقد التشريعي والضمانة الأخلاقية التي تحفظ النعم والمنجزات من الزوال والاندثار.

جوهر التمكين:

التمكين الحقيقي هو اختبار للمعدن وليس وساماً للمفاخرة. المعدن النفيس يزداد جلاء بزيادة الحمل عليه.

الرحمة والعمل:

العمل هو جسرنا الذي نمشي عليه، لكن الرحمة الإلهية هي الأرض التي يستند إليها الجسر، واليد التي تمتد إلينا عند الوصول.

​السؤال:

​إذا كان صفوة الخلق، وأنبياء الله المعصومون، يرجون حسن الخاتمة بكل هذا الوجل، ويخشون التقصير رغم عظيم بذلهم،

فمن أين يأتينا نحن هذا الاطمئنان المفرط لمصيرنا، وهذا الركون لنجاحاتنا العابرة؟

​التوصية:

​اجعل من دعاء يوسف وسليمان ورداً يومياً لقلبك وعقلك.

​ذكّر نفسك في كل لحظة نجاح أن الغاية ليست في كم ملكت، بل في بأي حال ستلقى الله.

​اسأل الله دائماً أن يلحّقك بالصالحين بفضله ورحمته.

​واجعل من سجود الشكر حصناً لمكتسباتك، ومن الخوف من السلب دافعاً لمزيد من العطاء والعبودية.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *