بقلم: د.ذكاء رشيد
ليس هناك شعور يضاهي تلك اللحظة التي تقف فيها على قمة إنجازك بعد رحلة من التعب والمكابدة. في تلك اللحظة، يركض الإنسان غريزياً نحو “دائرته الآمنة”، نحو الأصدقاء الذين اعتبرهم سنداً وذخراً، ليعرض عليهم حصاد نجاحه والابتسامة تملأ وجهه. لكن، بدلاً من أن يجد الاحتفاء، يصطدم بجدار بارد من الملاحظات القاسية والنقد الذي يأتي في غير محوانه؛ لتتحول اللحظة من عرسٍ للروح إلى “فرحة مبتورة”.
تسميم الآبار العاطفية
إن النقد في لحظة الزهو ليس “نصيحة” كما يدعي البعض، بل هو عملية اغتيال معنوي بامتياز. فعندما تأتي لصديقك وأنت في قمة سعادتك، وتجده يتجاهل الإنجاز ليركز على “ثغرة” بسيطة أو “ملاحظة” عابرة، فهو بذلك يمارس نوعاً من التثبيط المتعمد. هذا السلوك يكسر الخاطر ويشوه صورة النجاح في عين صاحبه، ويجعل السؤال المرّ يتردد في الصدر: “لماذا لم يرى في بستاني إلا الشوك؟”.
النقد كغطاء لضعف الحيلة
خلف كل نقد لاذع يطل في وقت غير مناسب، تكمن دوافع نفسية معقدة. فكثير من “المحبطين” يجدون في نجاح الآخرين مرآة تكشف ركودهم الشخصي. وبدلاً من أن يعملوا على رفع أنفسهم، يحاولون “شد” الناجح إلى الأسفل عبر تبخيس عمله. إنهم يستخدمون ذريعة “الواقعية” أو “الرغبة في الكمال” كقناع يسترون خلفه عدم قدرتهم على تقديم الدعم الصادق والتهنئة الصافية من الشوائب.
الخسارة التي لا تُعوض
إن أخطر ما يفعله هؤلاء ليس إفساد اللحظة فحسب، بل هو تدمير “جسور الثقة”. فالعلاقات الإنسانية تُبنى على الدعم المتبادل، وحين يغيب هذا الدعم في أكثر اللحظات احتياجاً له، يبدأ الطرف الناجح بالانسحاب النفسي. لم يعد هذا الصديق “ملاذاً”، بل أصبح “مصدراً للقلق”، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تحويل العلاقات من سياق السند إلى سياق المجاملات الرسمية الباردة.
نجاحك لا يحتاج تصريحاً من أحد
على كل من تعرض لنصل الانتقاد في ساعة فرحه أن يدرك حقيقة واحدة: قيمة إنجازك تنبع من ذاتك ومن جهدك، لا من اعتراف الآخرين به. إن الفرحة المبتورة التي يتركها لك صديق “ناقد” هي دليل على حاجتك لإعادة تعريف مفهوم “السند” في حياتك. فمن يحبك حقاً، هو من يرى نجاحك نجاحاً له، ومن يفتخر بك قبل أن يفكر في تقييمك.
خاتمة
ستظل الحياة تكشف لنا في كل محطة نجاح معادن البشر. فاحرص على أن تحيط نفسك بمن يضيفون لنجاحك بريقاً، لا بمن يلقون عليه بظلال شكوكهم وعقدهم النفسية. تذكر دائماً أن “الفرحة المبتورة” ليست عيباً في نجاحك، بل هي نقص في نبل الطرف الآخر.
فرحة مبتورة.. حين يغرس “السند” نصل انتقاده في قلب نجاحك


