عباقرة من خارج القاعات
سلسلة مقالات أدبية بقلم الأديب:
د كامل عبد القوى النحاس
الرافعي والعقاد:
ملحمة بيان.. أنضجتها نار الخصومة
المقدمة: حين تصطدم الجبال لتضيء السماء
في مطلع القرن العشرين، لم يكن الصراع بين مصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد مجرد مناوشات أدبية، بل كان “انفجاراً عظيماً” في فضاء الفكر العربي. نحن أمام قمتين لم يستندا إلى ألقاب أكاديمية، بل استمدا شرعيتهما من “سلطان الكلمة”. كان الرافعي يمثل “حصن الأصالة” الذي يرفض التنازل عن حرف واحد، بينما كان العقاد يمثل “جسر التجديد” الذي يريد للغة أن تتنفس هواء العصر.
منهج الرافعي: صرامة الوحي وعزّة الكلمة
بدأ الرافعي رحلته بوعي فطري وجلد لا يلين، مؤمناً بأن اللغة كائن مقدس لا يقبل التمييع. كان يرى أن البلاغة ليست “زينة” بل هي “عقل الأمة”، ومن يفرط فيها يفرط في وجوده.
- منهجه: “الكدح الذهني” لاستخراج لؤلؤ المعنى من محارات اللغة القديمة.
- فلسفته: كان يرى أن المعنى يجب أن يكون “عزيزاً” لا يُنال إلا بجهد، رافضاً فكرة تبسيط الأدب لدرجة الابتذال، فكان يكتب ليرفع القارئ إليه، لا لينزل هو إلى مستوى العامة.
منهج العقاد: عمارة العقل ونضوج المجتهد
على الضفة المقابلة، كان العقاد يبني عمارة عقلية هائلة، متسلحاً بقراءات موسوعية تربط الشرق بالغرب. - منهجه: التحليل المنطقي الذي لا يكتفي بحفظ النصوص، بل يسأل عن “لماذا” و”كيف”.
- فلسفته: كان يؤمن بأن التراث لا يُحفظ بالتقديس الأعمى، بل بالاستيعاب الذي يجعله حياً في عروق العصر. أراد لغةً قوية لكنها “مرنة”، تستوعب الفلسفة والعلوم الحديثة دون أن تفقد هويتها.
الصراع: حين يكون الخصم هو “المُعلّم الخفي”
هنا تكمن المفارقة؛ فعبقرية العقاد لم تبلغ كمالها إلا بـ “نار” نقد الرافعي. لقد كان الرافعي هو “المِصقلة” القاسية التي هذّبت لغة العقاد. لولا مطرقة الرافعي التي ضربت صياغات العقاد في كتابه الصاعق “على السفود”، لربما ظل أسلوب العقاد منطقاً جافاً متأثراً بالترجمة.
لقد أجبر الرافعي خصمه العقاد على العودة إلى “جذور البيان” ليصمد أمام ضرباته، فخرجت “عبقريات العقاد” لاحقاً وهي تحمل مزيجاً مذهلاً بين صرامة الفيلسوف وجزالة العربي الأصيل. إنها “عملية نحت متبادلة”؛ الرافعي منع التجديد من الانزلاق نحو التمييع، والعقاد منع الأصالة من الانغلاق داخل الصوامع.
ضد التسطيح والعامية: جبهة واحدة بأسلحة مختلفة
رغم خلافهما، وقف العملاقان سداً منيعاً ضد “تسطيح اللغة”: - في وجه العامية: اعتبر الرافعي الدعوة للعامية “مؤامرة” على القرآن، بينما رآها العقاد “قصوراً ذهنياً” يقطع صلة الإنسان بجذوره الحضارية.
- ضد الشعبوية: كلاهما احتقر “الأدب الرخيص” الذي يداعب الغرائز أو يسطح العقول. كانا يؤمنان بأن الكاتب “قائد” لا “تابع” لذوق الجمهور.
أثرهما في الثقافة: مدرسة “خارج القاعات”
لقد فرض هذان الرجلان سطوتهما على الفكر العربي حتى غدا الأكاديميون أنفسهم حاشيةً في محراب إبداعهما. الرافعي صار “المختبر اللغوي” الذي تقتات عليه أطاريح الدكتوراه، والعقاد صار “المنهج التحليلي” الذي يدرسه كبار النقاد. لقد أثبتا أن الذات المبدعة هي التي تخلق القاعة، لا القاعة هي التي تخلق المبدع.
الخاتمة: العربية في عصر الرقمنة.. أين نحن منهما؟
اليوم، وفي عصر “السيولة اللغوية” واختصار الكلمات في أيقونات رقمية، يبرز السؤال: هل تيتّمت العربية بعدهما؟
إن غيابهما ترك فجوة في “بوصلة التوازن”. نحن اليوم بحاجة إلى استعادة تلك الروح العصامية؛ بحاجة إلى “غيرة الرافعي” على الجذور لكي لا تذوب هويتنا في فضاء الرقمنة، وإلى “انفتاح العقاد” لنصهر التكنولوجيا في قالب لغوي لا يشيخ.
لقد رحل العملاقان، وبقيت مدرستهما منارةً لكل إنسان آمن أن القلم والاجتهاد هما أقصر الطرق للخلود، وأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي “وطن” نسكنه ويسكن فينا.


