مقال

طبائع القلوب التي لا نلتفت إليها


بقلم/نشأت البسيوني

يمشي الإنسان بين الناس وهو يحمل قلبا يتغير كل يوم دون أن ينتبه لذلك فالقلب ليس حجرا ثابتا بل كائن حي يتأثر بكل كلمة وبكل نظرة وبكل خيبة صغيرة وبكل فرح عابر نحن نظن أننا نعرف أنفسنا بينما الحقيقة أن قلوبنا تسجل ما لا نراه وتحتفظ بما نتظاهر بأننا نسيناه وتعيد تشكيلنا بصمت كأنها يد خفية تعيد ترتيب ملامحنا الداخلية دون أن نستأذنها أو نراجعها فالقلوب تبدأ قوية

ثم تلين ثم تتشقق ثم تتماسك من جديد وفي كل مرة نظن أننا قادرون على السيطرة عليها لكنها تفاجئنا بميل ما أو تعلق غير مفهوم أو نفور لم نتوقعه فالقلب يقودنا أحيانا أكثر مما نقوده ونحن نتصرف وكأن الإحساس شيء يمكن إملاؤه أو كتمه بينما هو في الحقيقة سيد يأمرنا دون أن نتكلم والإنسان لا يشعر كم تغير قلبه إلا حين يقف أمام موقف يظنه بسيطا فيجد نفسه ضعيفا

أمامه أو غير قادر على الشعور بما كان يشعر به من قبل أو يكتشف أن ما ظنه ألما ليس إلا أثرا قديما تركته الأيام وأن ما كان يظنه حباً لم يكن سوى وهم اعتاد عليه وأن ما كان يقاومه صار الآن جزءا منه وأن الذين مروا به لم يخرجوا تماما بل تركوا في قلبه توقيعاتهم الخفية التي تظهر في ردود الأفعال وفي القرارات وفي الصمت الطويل والقلب يتعلم ببطء لكنه لا ينسى فهو يحفظ

المواقف التي كسرت روحه أكثر مما يحفظ الضحكات التي مرت عليه ويحفظ الحقيقة التي خذلته أكثر مما يحفظ الوعود التي طمأنته ويحفظ الأيدي التي تركته في منتصف الطريق أكثر مما يحفظ الكلمات التي ادعت البقاء فالوجع يكتب دروسا لا تمحى والصدمات تصنع بداخله نضجا لا يراه أحد لكنه يغير كل شيء في طريقة نظرته للعالم وللناس وللنفس ومع كل ذلك يظل القلب يمتلك

قدرة عجيبة على البدء من جديد فهو يجمع شتاته بعد كل انهيار ويعيد بناء نفسه بطريقة أقوى وأعمق وأكثر فهما للحياة فالإنسان الذي مر بتقلبات قلبه يعرف جيدا أن المشاعر ليست خطا مستقيما وأن الثبات الكامل مجرد وهم وأن القلوب التي تتألم تصبح أكثر حكمة والقلوب التي تنكسر تصبح أكثر وعيا والقلوب التي تحب رغم التجارب تصبح أكثر نقاء يمضي الإنسان في طريقه وهو يتغير

من الداخل دون أن يلحظ ذلك لكنه يستيقظ في يوم ما ليكتشف أنه ليس الشخص نفسه وأن قلبه لم يعد كما كان وأنه صار يفهم نفسه أكثر ويرحمها أكثر ويختار ما يناسبها دون خوف أو تردد ويتعلم أن يمنحها ما تستحقه من سلام ومساحة ووقت لأن أعظم ما يملكه الإنسان في النهاية ليس ماله ولا جاهه بل قلبه وما استطاع أن يحفظه داخله دون أن يسمح للعالم أن ينتزعه منه

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *