مقال

صرخة الحق الحضاري.. مصر تبدأ معركة كسر الأغلال واستعادة الهوية المنهوبة

كتبت /منى منصور السيد
في أروقة النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، وتحت رعاية رئيسها الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، التقت الإرادات الوطنية في مؤتمر موسع نُظم بالتعاون بين لجنة الحضارة المصرية القديمة برئاسة الكاتب والباحث عبد الله مهدي، واللجنة العليا للآثاريين بالنقابة المهنية للسياحيين برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان، ومؤسسة “مصر المستقبل للآثار والتراث” بقيادة أمينها العام الدكتور محمود الشنديدي؛ وذلك لبحث قضية استرداد الآثار المصرية المنهوبة، وتفكيك العوائق القانونية والتاريخية التي تحول دون عودتها إلى أحضان الوطن.
افتُتحت الأعمال على نغمات السلام الجمهوري التي أشعلت حماس الحضور من الباحثين والعاشقين للإرث الحضاري. واستهل الباحث عبد الله مهدي كلمته بالتدليل على الرصيد العلمي الثري للأوراق البحثية المقدمة من نخبة من المتخصصين، مفندًا في الوقت ذاته واقع المناهج التعليمية الحالية، ومؤكدًا افتقارها لرؤية متكاملة تضمن بناء وعي أصيل بمفردات الهوية المصرية. واستعرض مهدي بالدراسة الإحصائية نماذج من كتب المراحل الابتدائية والإعدادية، مشيرًا إلى أن المحتوى المقدم لا يفي بالنذر اليسير مما هو مأمول لخلق جيل مدرك لخطورة وتاريخ إرثه الأثري، ومشددًا على ضرورة حدوث صحوة ثقافية وإعلامية تتكامل فيها مؤسسات الدولة لإزالة الخرافات وتوثيق المنجز الحضاري.
وتجسد الطرح العملي في المبادرة الوطنية الجديدة التي أطلقها المهندس حمدي عز، نقيب السياحيين، تحت عنوان “عودة الحضارة إلى موطنها”، والتي تهدف إلى نقل الملف من طابعه العاطفي إلى مشروع قومي استراتيجي يرتكز على خمسة محاور: شعبية وإعلامية وقانونية ودبلوماسية وسياحية. واستشهد عز بتجارب دولية ناجحة في خوض معارك الاسترداد؛ كإصرار اليونان على استعادة تماثيل البارثينون، ونجاح نيجيريا في استرجاع برونزات بينين من متاحف أوروبية، واستعادة إثيوبيا لكنوز “ماقدالا”، مؤكدًا أن الآثار المصرية الموزعة عبر نحو 40 دولة تشكل قوة استراتيجية هائلة. وفي السياق ذاته، شدد الأستاذ فارس حسني، الأمين العام لنقابة السياحيين، على أن القضية هي قضية وطن كامل تتطلب حشد التواجد الشعبي والضغط الدولي عبر الجاليات والدبلوماسية العمالية والبرلمانية لحماية مقدرات الأمة.
وعلى الصعيد القانوني والتشريعي، وضع الدكتور عبد الرحيم ريحان يده على المكامن الحقيقية للخلل، موضحًا أن العائق الأكبر يتمثل في إغفال حقوق الحضارة ضمن اتفاقية “الويبو” للملكية الفكرية، مما سمح للمتاحف العالمية بالتربح المادي من الإرث المصري دون سند أخلاقي. كما انتقد قصور اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي تحمي فقط القطع المهربة بعد هذا التاريخ وتطلب سندات ملكية يصعب إثباتها للقطع الناتجة عن الحفر الخلسة، داعيًا إلى تفعيل قرار الأمم المتحدة الصادر في نوفمبر 2021 وسد الثغرات التشريعية المحلية. وهو ما أيده الدكتور محمود الشنديدي في بحثه الذي استعرض فيه التبعات الثقيلة للاستعمار والغبن التاريخي الذي تعرضت له مصر في نهب نفائسها مثل رأس نفرتيتي وحجر رشيد وقبة دندرة، مؤكدًا أن استعادة التراث حق أصيل لا يسقط بالتقادم.
ومن جانبها، تناولت الأستاذة الدكتورة علا العبودي التحديات الدبلوماسية للقطع التي خرجت بصفة رسمية أو عبر إهداءات قديمة كبعض معابد النوبة، محددة آليات منهجية للتعامل معها تشمل إبرام اتفاقيات ثنائية تتجاوز جمود القوانين الدولية، والتفاوض على الإعارات طويلة الأجل، مع ترسيخ الملكية المعنوية واستخدام التحكيم والتوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد. بينما أكدت الباحثة فاطمة القصاص على مفهوم “التراث الحي” وأهمية صون التقاليد والحرف والملكية الفكرية لإتاحتها مجتمعيًا ودعم الاستدامة الاقتصادية.
وفي مداخلة حول عمق الأثر، أوضحت الأثرية والكاتبة سهيلة الرملي أن الاسترداد لا يقف عند حدود القطعة المادية، بل يمتد إلى “استرداد الهوية والسياق التاريخي” وتصحيح الرواية بأصوات علمية مصرية. واختتمت الأستاذة شيماء فاروق الطرح بتقديم مقترحات إجرائية مبتكرة، شملت إنتاج وثائقيات استقصائية تفضح كواليس التهريب، وتصميم حملة “المقاعد الفارغة” بالمتاحف الوطنية لإبراز حجم الفقد، والدعوة لإقرار يوم عالمي لاسترداد التراث، إلى جانب استخدام البصمة الرقمية والضغط عبر الشخصيات المؤثرة عالميًا.
إن هذا المؤتمر يضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من المواجهة الفكرية والقانونية؛ مرحلة لا تكتفي بذكر الماضي، بل تخوض معركة حاضرة لفرض السيادة الثقافية واستعادة مقدرات الوطن، لتظل مصر دائمًا صاحبة الحق والأقدر على سرد قصتها للعالم بأيدي أبنائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى