كتبت /منى منصور السيد
،ثمة خيط رفيع يفصل بين “المشاركة” و”الاستنزاف”؛ فبينما يُفترض أن تكون الأسرة هي المرفأ الآمن الذي نلقي فيه أحمالنا في نهاية اليوم، يجد الكثيرون أنفسهم في مواجهة حقيقة صادمة، وهي أن الطرف الآخر، سواء كان شريكاً أو حتى وجود الأبناء، قد تحول إلى “عبء” يستهلك الروح قبل الجسد. إن هذا التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج خلل مستمر في ميزان الأخذ والعطاء، حيث يتحول الحب من طاقة دفع وإلهام إلى قيد من الرصاص يسحب صاحبه نحو القاع.
تبدأ مأساة “العبء” في العلاقة الزوجية عندما يتوقف أحد الطرفين عن كونه شريكاً فاعلاً ليصبح “معتمداً كلياً”، حيث يشير خبراء علم النفس السلوكي إلى أن الاتكالية العاطفية والمادية هي القاتل الصامت للرغبة والاستمرار في أي علاقة. فعندما يضطر أحد الطرفين للقيام بدور “الأب أو الأم” لشريكه البالغ، ينهار مفهوم الندية تماماً، ولا يقتصر هذا الاستنزاف على المجهود البدني فحسب، بل يمتد ليكون عبئاً ذهنياً مرهقاً؛ إذ يجد الطرف المعطاء نفسه وحيداً في مواجهة اتخاذ القرارات، وامتصاص الأزمات، والتخطيط للمستقبل، بينما يكتفي الشريك الآخر بدور “الراكب” في سفينة يقودها شخص واحد حتى الإنهاك التام.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يبرز تساؤل جريء وغالباً ما يكون مسكوتاً عنه في مجتمعاتنا: هل يمكن للأطفال أن يكونوا عبئاً؟ والحقيقة الواقعية تقول نعم، ولكن بمفهوم يختلف جذرياً عن عبء الشريك. فالأطفال يمثلون ضغطاً تشغيلياً ونفسياً هائلاً، وفي غياب التكاتف الحقيقي بين الزوجين، تتحول تربيتهم من مشروع حب مشترك إلى معركة استنزاف يخوضها طرف واحد منفرداً. وهنا لا يكون الطفل هو العبء بذاته، بل إن وجوده كشف هشاشة الشراكة الزوجية وغياب مفهوم “الفريق”، مما يجعل كل صرخة أو طلب صغير من الطفل يبدو كجبل من الضغوط فوق كاهل المربي الوحيد.
إن علامات التنبيه التي تدق ناقوس الخطر تبدأ غالباً بميول نحو “الهروب النفسي”، مثل تمني البقاء في العمل لفترة أطول أو افتعال الانشغال لتجنب العودة للمنزل، وصولاً إلى مرحلة “الصمت الزوجي” حيث يصبح الكلام مجهوداً غير مجدٍ، ويفضل الطرف المستنزَف الانعزاء لتوفير ما تبقى من طاقته. ومع ذلك، فإن الاعتراف بوجود هذا “الثقل” ليس دعوة للنهاية، بل هو صرخة لإعادة الهيكلة والمكاشفة القاسية حول نضوب الطاقة، فلا يمكن للطرف الآخر أن يعدّل سلوكه وهو لا يدرك حجم الأحمال التي يضعها على كاهل شريكه.
في النهاية، العلاقات ليست مجرد مشاعر هائمة، بل هي التزام يومي بتقاسم الأعباء. يبقى الحب هو الوقود الذي يحركنا، لكن “العدل في التحمل” هو المحرك الذي يضمن وصول السفينة لبر الأمان دون أن يغرق أحد ركابها من فرط التعب، فالطرف الآخر يكون عبئاً فقط عندما ينسى أن العلاقة هي “كتف بكتف”، وليست “كتفاً يحمل الكل”.

