مقال

سيكولوجية المسافة في العلاقات كيف يمنح الشوق لُقاحاً ضد الملل؟

كتبت /منى منصور السيد
في قاموس العلاقات الإنسانية، يُعتبر الحب هو الوقود الذي يمنح الحياة معناها. ولكن، هل يمكن لهذا الوقود أن يحرق المحرك إذا زاد عن حده؟ يظن الكثيرون أن إغراق الشريك بفيض لا ينقطع من الكلمات العاطفية، والاهتمام المفرط، والمطاردة بالمشاعر هو قمة الإخلاص، إلا أن الواقع النفسي يثبت عكس ذلك تماماً؛ فالحب “الضاغط” هو أسرع طريق لولادة الملل، بل والنفور.


تؤكد الدراسات النفسية أن النفس البشرية تميل دائماً إلى التوازن. عندما يتلقى الطرف الآخر كميات هائلة من المشاعر دون توقف، يبدأ جهازه العاطفي في حالة من “التشبع”. تماماً كما تفقد الأغنية الجميلة سحرها إذا تكررت آلاف المرات في اليوم، يفقد الحب معناه إذا أصبح متاحاً بكثرة وبلا مبرر. إن الحب يحتاج إلى مسافات فاصلة لكي ينمو، فالنبات الذي يُسقى بالماء ليل نهار لا ينمو أسرع، بل تتعفن جذوره ويموت.
لا يهرب الشريك من حبك، بل يهرب من المسؤولية التي يفرضها هذا الحب. الضغط بالمشاعر يضع الطرف الآخر في موقف المدافع؛ فهو يشعر بالذنب إذا لم يرد على “عاصفة” عواطفك بعاصفة مماثلة. هذا الضغط يحول العلاقة من “مساحة آمنة” إلى “واجب ثقيل” أو حصار عاطفي، مما يدفعه للبحث عن متنفس بعيداً عنك، وهو ما نسميه بالفتور العاطفي الناجم عن الاختناق.


ومن الأخطاء الشائعة في العلاقات أن يلغي المحب شخصيته واهتماماته ليصبح متاحاً للشريك طوال الوقت. هذا التوافر الكلي يقتل “الغموض” و”اللهفة”، فالحب يتغذى على الفضول وعلى رغبة كل طرف في اكتشاف الآخر. عندما تكون كتاباً مفتوحاً يتم قراءته كل ساعة، فمن الطبيعي أن يشعر القارئ بالملل بعد فترة من الزمن، لأن عنصر المفاجأة قد تلاشى تماماً.
ولكي يستمر الحب متجدداً وبعيداً عن مقصلة الملل، لا بد من اتباع استراتيجية “الذكاء المسافاتي”. يجب أن تتحول كلمات الحب والاهتمام إلى مكافأة لمواقف معينة، لا طابعاً بريدياً يوضع على كل محادثة عابرة. كما أن أفضل طريقة لجعل شريكك يحبك هي أن يراك تحب نفسك وتطور ذاتك، فالهوايات والنجاح الشخصي يضيفان لك جاذبية لا تنطفئ ويجعلانك شخصاً متجدداً في نظر الحبيب.


إن احترام المساحة الخاصة وترك وقت للشوق هو ما يحافظ على حيوية العلاقة، فالعطاء يجب أن يتوازن مع الأخذ، ولا بد من ترك مساحة للطرف الآخر ليبذل جهداً، فالبشر يقدرون ما يتعبون لأجله. الحب في النهاية هو فن إدارة المسافات، وليس فن الالتصاق؛ فإذا أردت لشعلة الحب أن تظل متقدة، فلا تكتم أنفاسها بكثرة الحطب، بل اترك لها مساحة كافية من الهواء لكي تتنفس وتستمر في الاشتعال.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *