
بقلم : حر ضد التفاهة
ماهر عبد الباقي
بينما يصارع العالم أزمات سياسية وإقتصادية طاحنة وتتسابق العقول لإبتكار حلول للمستقبل تخرج علينا جيوش إلكترونية تحمل كاميرات وميكروفونات مزينة بشعارات براقة لتقتحم غيطان الفلاحين وشوارع البسطاء لا للبحث عن مشاكل الفلاحين وأزماتهم ولا لينقلوا صرخة عامل مظلوم بل ليبحثوا عن التريند المقزز تحت أقدام محصول الفراولة أو المانجا أو في الشوارع وسط الزحام المصطنع .
نحن نعيش الآن العصر الذهبي لـ إعلام السبوبه حيث لم يعد الخبر مقدساً والتعليق حراً بل أصبح الخبر طعاماً والتعليق دولارات
لقد استبدلت بعض المنصات الإخبارية ميثاق الشرف الصحفي بـ تفاهات الفيسبوك وتحول المراسل من باحث عن المظالم إلى صائد للتريندات التافهة في مشهد يجمع بين الانحطاط المهني والانتهاك الإنساني.
لم يدركوا أن صاحبة الجلالة الصحافة لُقبت بـ السلطة الرابعة لأنها الرقيب الذي يضمن عدم انفراد السلطات الأخرى بالقرار بعيداً عن أعين الناس ومهمتها تنوير المجتمع هي ضمير الشعوب وسلطة الحقيقة .
عندما نتحدث عن الصحافة فنحن لا نتحدث عن مجرد مهنة لكسب الرزق بل نتحدث عن صناعة الوعي والمحرك الأساسي لتغيير المجتمعات.
لقد تحول جزء كبير منها إلى مطاردة اللايكات والمشاهدات عبر محتوى يفتقر لأدنى معايير المهنية وتراجعت هيبة صاحبة الجلالة أمام موجة عاتية من المنصات الرقمية التي اتخذت التفاهة منهجاً ومن الاستغلال تجارة لم يعد للخبر قيمة معرفية بل تحول إلى سلعة استهلاكية
حيث توجد ظاهرة استفزازية من جيوش مدعي الصحافة والإعلام على الأراضي الزراعية يتم اختيار صحفيات شابات بكامل أناقتهن ومساحيق تجميلهن ليقفن وسط طين غيطان الفراولة أو المانجا أو حتى الثوم والبصل الهدف ليس تسليط الضوء على معاناة الفلاح بل خلق صدمة بصريه تثير فضول المتابع ماذا تفعل هذه الفتاة الجميلة وسط الطين .
تبدأ المراسله بأسئله سذاجة ومخجلة على العمال أو العاملات باليومية إحساسك إيه وأنتِ بتمسكي الفراولة غني لنا أغنية للفواكه أو مين فيكم أحلى من التانية أو حتى تقول للعامل أنا أحلى ولا الفراولة إنهم يحولون الشقاء الإنساني إلى فقرة ترفيهية لجمع المشاهدات مستغلين
بساطة الناس التي لا تدرك أن هذه الفيديوهات ستجعل منهم مادة للسخرية في عالم الفضاء الإلكتروني هذه الإستراتيجية خبيثة ومدروسة لجني المال.
إذا غادرنا الغيط ودخلنا غرف الأخبار سننبهر بكتائب من قناصي الشاشات هؤلاء وظيفتهم الوحيدة هي مراقبة حسابات المشاهير فن الفبركة من إيموجي
إذا نشر أحد الشخصيات العامة أو فنان أو فنانة أى منشور أو تويته ولا صورة سوداء أو حذف صورة قديمة تنفجر المواقع بعناوين جنائزية انفصال وشيك محاولة انتحار سر المرض الغامض وإلخ هم لا ينقلون خبراً بل يصنعون قصص وروايات من العدم.
يأخذون جملة من سياق في بث مباشر لفنان ويصيغونها في عنوان يوحي بكارثة ليضغط القارئ على الرابط ليكتشف في النهاية أنه وقع ضحية لعملية نصب صحفي متكاملة الأركان.
لا يكتفي هؤلاء بالغيطان والمشاهير بل يتجولون فى الشوارع لاصطياد أي حالة غريبة
تحويل المشردين أو المضطربين نفسياً إلى مادة للضحك عبر لقاءات مصورة تفتقر لأدنى معايير الإنسانية .
اختراع بطولات وهمية لأشخاص عاديين وتلقيبهم بـ أقوى بائع أو أجمل بائعة فقط لاستخدام الوجه الحسن كطُعم لزيادة التفاعل وهو ما يمكن تسميته
بـ الدعارة الإعلامية المقنعة
ولم يكتفوا بهذا بل أحقر فصول هذه المسرحية الهزلية وما تفعله هذه المواقع تحت مسمى نصرة الغلبان يأخذون واقعة بسيطة مثل عامل نظافة طُرد من مطعم كشري أو محل خضار أو مُنع سيده من دخول محل عصير وبدلاً من حل المشكلة بكرامة يحولوها إلى مهرجان وسيرك ونفخ بالونات بملاحقة هذا الشخص البسيط بمئات الكاميرات وتصويره وهو يأكل وهو يلبس وهو يوقع عقوداً وهمية أخرها تكون صناعة الضحية لنجم يتم إقناع الشخص بأنه أنفتح أمامه ابواب الشهره والمجد وأصبح زعيماً أو فناناً فينفصل عن واقعه ويبدأ في التصرف بغرابة أمام الكاميرات
حتى إذا انتهى مفعول التريند وقلت مشاهدات هذه المواقع تلقيه في سلة المهملات ويصنعوا تريند لشخص أخر وبعدها يتركوه وحيداً ومنبوذاً بعد أن شوهت فطرته وبساطته انحدار تام لمهنة الصحافة وتحول المنصات من ناقل للخبر إلى صانع للمسرحية .
لقد تحولت هذه المواقع إلى دكاكين تبيع وعي الناس .
حيث يتم استخدام الشباب والشابات كوقود لهذه المحرقة مقابل شهره ورواتب زهيدة بينما تجني إدارات المواقع الملايين من عرق البسطاء في الغيطان ودموع الضحايا في الشوارع.
عندما يتصدر تريند بائعة المانجو على حساب القضايا التعليمية أو الاقتصادية يفقد المجتمع قدرته على تحديد الأولويات .
وأصبح المواطن العادي والمشهور فريسة لهؤلاء القناصين مما يهدد الاستقرار النفسي والاجتماعي لتقديم صورة مشوهة للمجتمع واختصار حياة الناس في مشاهد تمثيلية مفتعلة من أجل التريند
إن مكافحة إعلام السَبّوبة تبدأ من أصبع المشاهد كل مشاهدة تمنحها لهذه التفاهات هي بمثابة تمويل لاستمرارهم الصحافة الحقيقية هي التي تذهب خلف الحقيقة لتكشفها لا التي تذهب خلف التريند المفبرك لقد حان الوقت لمقاطعة منصات الفراولة والنميمة والعودة للمحتوى الذي يحترم عقل الإنسان وكرامته.

