الكاتبة الإعلامية: ندين نبيل عبدالله أبو صالحه
الصوامعة بلعت صوت الشخصين اللي نزلوا… بس رجعت بصقت سرهم.
الغبار الأبيض اللي طلع من القبو ما كان غبار عادي. كان رماد أوراق… أوراق جوازات، رسائل، وصور ناس.
كل ورقة محروقة كان فيها اسم. وكل اسم كان بينادي: “أنا لساتني هون”.
ليلى نزلت الدرج الحجر اللي شقته المي. كل درجة كانت بتنبض تحت رجلها.
الدرج مش نازل لتحت الدرج نازل لجوا. لجوا قلب الضابط.
النمر مشي قدامها، بس هالمرة ما زأر. مشي ساكت كأنه جنازة.
ريحة الشاي اللي مع صاحبهم بلشت تعبي المكان. ريحة بتريح بس بتخنق.
كأن الشاي بغلي دم مش مي.
صاحبهم اللي ماسك الكيس والفلوس وقف بنص الدرج وقال وهو عم يرجف:
“الفلوس هاي مش فلوس هاي كفارات. كل ورقة فيها عمر واحد مدفون فوق.
وأنا إذا طلعت، رح أسأل صاحب المحل: قديش كان عددنا؟ عشان أعرف قديش منّا ضل تحت”.
الكندرة العسكرية اللي فيها رباط وحدة بلشت تسحب ليلى من طرف ثوبها.
الرباط فك وتلف حوالين معصمها، وصار مفتاح.
مفتاح صغير من حديد بارد، محفور عليه: 3:03. نفس توقيت الانفجار الأول.
فجأة باب القبو المسكر من جوا بلش يخبط. خبط من جوا لبرا.
صوت ناس بتصحى من الموت: “افتح المي فارت. والشاي برد… وقلوبنا عطشانة”.
ليلى حطت المفتاح بالقفل. القفل ما انفتح… القفل بكى.
دموع صدأ نزلت منه، ورسمت على الباب وجه الضابط.
وجهه نصه حي ونصه تراب. وعينه الوحدة المفتوحة كانت عم تدمع.
صوت الضابط طلع من الساعة اللي على راس ليلى:
“المواد البيضاء اللي بالقبو مش طحين ولا بودرة. هاي عظام مطحونة لناس ما حدا دفنهم.
والشاي؟ الشاي كان آخر شي شربوه قبل ما يسكتوا للأبد.
أنا خبيت الساعة هون عشان الزمن ما ينساهم.”
النمر وقف قدام الباب وحط جبهته عليه.
زأر زئير واحد… طويل… مكسور.
الباب انشق نصين، بس ما انفتح. انشق زي قلب.
ورا الباب ما كان في قبو كان في غرفة عمليات ميدانية.
طاولة، وضوء خافت، وعلى الطاولة جسم الضابط.
بس جسمه مش كامل… نصه تحت الردم، ونصه ماسك الساعة الخضراء التانية.
حواليه ناس نايمة على الأرض، ملفوفين بأكياس شاي.
كل واحد فيهم ماسك بإيده علبة شاي فاضية، كأنه كان بستنى حدا يصبله كاسة أخيرة.
صاحب الفلوس ركع وبكى: “طلعنا من القبو بس القبو ما طلع منّا”.
ليلى ركضت على الضابط. حطت الساعة اللي بإيدها فوق الساعة اللي بإيده.
الساعتين لزقوا ببعض… والعقارب اللي كانت واقفة على 3:03 بلشت تتحرك لورا.
كل دقة لورا، جسم مدفون فوق كان يتنفس نفس واحد ويموت.
الضوء الأبيض تبع شمس أمها نزل من فتحة الصوامعة، بس هالمرة ما لفها هي.
لف الضابط، ولف كل الناس النايمة بالشاي.
وصوت أمها انسمِع من بعيد، مش من السماء من قلب ليلى:
“الضوء ما بيطلع من الحرب يا بنتي… الضوء بيدفن الحرب عشان يطلعوا هم”.
النمر لف حوالين ليلى وحضنها بذيله.
وهمس بإذنها بدون صوت: “السر تبعي؟ أنا مش نمر. أنا كل دعوة أم انحفرت تحت الردم وتحولت حيوان عشان تحرس ولادها”.
الردم كله سكت.
لا صوت موتى، لا وجع، لا خوف.
ضل بس صوتين: نبض ليلى… ونبض الضابط… صاروا نبض واحد.
آخر شي شافته ليلى قبل ما عيونها تغمض:
الجواز اللي صار بوصلة انفتح على صفحة جديدة.
والحبر اللي ذاب من دمعتها كتب لحاله:
“بلدك الجديد: هون. واسمك الجديد: اللي ما بتترك حدا تحت الردم”.
الدرج وراها بلش يطلع لفوق لحاله… كأنه بقولها: “خلص شغلك تحت… اطلعي احكي عنهم”.
تابع العدد القادم

