مقال “رواية من أجل ذلك” لخالد الجمال BY صفاء مصطفي فبراير 8, 2026 0 Comments 31 Views Read in 1 Minute بعد صلاة المغرب نري شبلنجة هادئة تمام الدكاكين مغلقة والطرق خاوية لا يوجد من يؤنسها بخطوات وئيدة والسيارات علي الطريق الزراعي قليلة جدا . في ظل هذا السكون اجتمع أفراد عصابة الطوبجي في الخص الذي يقع أمام المعهد الديني بجوار مزلقان المنشية أمام المرور القديم فقد شيده الطوبجي بأخشاب النخل والأشجار والخوص والبوص وجعل بداخله أخشاب الأشجار علي هيئة كنب وفي كل ركن وضع فيه جمجمة علي حامل خشبي بجوارها هياكل عظمية لبشر وكأنه معملا لدراسة طلاب كلية الطب وأطلق عليه الخص العجيب كان يهابه الناس والكل يخشي الاقتراب منه قبل وبعد رحيل سامي , فقد كان مغلقا طوال سبع سنوات واليوم الاجتماع الأول بعد التأكد من عودة الطوبجي .يحتفل أفراد العصابة بما حققوه من جمع المال وفرض سطوتهم علي الكبير قبل الصغير , بزعامة حمزاوي لحين عودة القائد الزعيم والمفكر والمدبر سامي الطوبجي وكذلك احتفالا بالانتصار علي المحلاوي بعد أن سطوا علي سيارتين تابعة لمؤسسته ممتلئتين بالخيرات بالبضائع وتم تفكيك السيارتين وبيعهما خردة والاستفادة منهما أيضا , علي مشهد ومسمع رجال المحلاوي , والمحلاوي لم يتحرك بل أغلق بعض مصانعه كإجراء وقائي . المحلاوي الذي كان منذ أيام قبل مكالمة الهاتف كان سيد البلد ويعتبر أهاليها عبيدا له يأمر فيطيعون . يفعل ما يريد دون معارضة فماذا حدث له .؟ وما سر هذه المكالمة . ؟ فكان منذ أيام لم يستطع أحد مجادلته أو مراجعته من الجميع , ولا مواجهة أحدا من رجاله من كل أهل شبلنجة حتي أفراد عصابة سامي والآن مفردات الصمت يعلو صوتها فوق صوت والخضوع ويفرض عليه واقعا جديدا لم يستطع مواجهته , فماذا حدث له . ؟ وما سر هذه المكالمة الهاتفية لشروق من سامي . ؟ ومن أي قوة استمدت العصابة هذه الشجاعة . ؟ بعد ثبات وتفرقة دام سنوات طويلة . السنوات التي هيمن فيها المحلاوي علي مقاليد الحياة في شبلنجة وكيف استيقظت بداخلهم هذه الهمة وهذه الجراءة والإقدام . ؟ فمن هذا الطوبجي . ؟ الذي بدل الأحوال بمكالمة هاتفية تؤكد حضوره من .. من هذا … ؟ فماذا يحدث لــ شبلنجة إذا وطأت قدماه علي تراب البلد .. ؟ قد تكون أنت سامي دون أن تدري أنك أنت . ********************* 6ـ هجرة غير شرعية **** اختفاء سيارتين من سيارات النقل العملاقة الخاصة بالمحلاوي ما هو إلا إنذار شديد اللهجة من رجال الطوبجي للمحلاوي صاحب النفوذ والمال والمصانع والهيمنة علي شبلنجة وهو يعلم أنهم في حوزة رجال الطوبجي فغرق في أمواج الحيرة وتخبط فكره يستسلم , أم يقاوم ويثبت أن المحلاوي قادرا علي الطوبجي ورجاله . فاجتمع مع خاصة رجاله لبحث الأمر في اجتماع مغلق ونصحه مدير أعماله المهندس شوكت رفعت بعدم التعرض لشروق ودنيا الطوبجي بل منحهم الترقيات المتأخرة الخاصة بهما ليكونا وسيلة تعامل بينه وبين شقيقهم سامي الطوبجي . ليعلم سامي الطوبجي أن رياض المحلاوي له الفضل كل الفضل علي شقيقتيه شروق ودنيا . وعدم الرد علي تجاوزات العصابة لحين عودة الطوبجي ليعلم تقديرنا له وبعد الاجتماع خرج المحلاوي علي غير عادته مبتهج الأسارير وبدأ يتجول في المصانع ويداعب العمال ويأمر لهم بصرف المستحقات الخاصة , والتي تأخرت لظروف ما . فقد كان معتادا علي عدم التأمين عليهم والخصم الدائم من رواتبهم دون ذنب ومن يعترض منهم يطرد ويأتي بغيرهم بمرتبات أقل ويطمع في حقوقهم المادية وحرمانهم من أي مكافآت وجعل الحقد والضغينة والكراهية بين أهل البلد بين المطرود ومن حل مكانه منهم . ونشر الغيرة والعداوة والبغضاء بين هؤلاء وهؤلاء . واستغل حالتهم المادية وحاجتهم الملحة للمال ليعيشوا في هذه الحياة مستسلمين . واستغل ظروف النساء المطلقات والأرامل والغرامات بنفوذه وماله لكي تستسلم لرغباته وشهواته الدنيئة رغم جمال وحسن زوجته إحسان هانم بنت الأصول . ****** لم تستمر فرحة شروق ودنيا بالترقيات كثيرا فقد قرر محمد خطيب شروق وإسلام خطيب دنيا فسخ الخطوبة خوفا من جبروت شقيقهم سامي وقررا مغادرة شبلنجة حيث أن عملهما في الوادي الجديد والبقاء هناك أفضل بعيدا عن المشاكل التي حتما ستحدث لهما بسبب سامي فالأفضل ترك الوثاق بينهما وبين شقيقتيه . وتذكرت دنيا الماضي وما كان يفعل معها سامي وكيف كان يشدها من شعرها ولا يبالي بصراخها وهي تتخبط في كراسي الصالة وكذلك شروق التي لم تسلم من ضربه لها دائما علي صفحة وجهها ولم تستطع الأم منعه . خبر عودة سامي كان سببا في ترقية شقيقتيه في عملهما وفسخ خطوبتهما ومازالت ذكراه تطوف بخاطرهما وهو يطرح أبيه أرضا . وسقوط الأم مغشيا عليها . قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة وكانت أخر كلمة قالتها ربنا يهديك يا سامي يا ابني ونطقت الشهادة وماتت . وكانت أخر لحظة لسامي في هذا المنزل . واختفي سامي وظن البعض أنه مات أو سجن أو . . … أقاويل تناثرت , وماتت الأم ومات الأب بعدها بقليل ولم يعرف أحد عنه شيئا غير تكهنات واستنتاجات وظنون إلا بعد العام الأول من اختفاءه حينما أتت الصحافية سامية تسأل عنه وعن أسرته وأخباره وأفادت أنه في إيطاليا هاجر هجرة غير شرعية وهو الوحيد الذي نجا من خمسين شابا غرقوا في مياه البحر المتوسط بالقرب من شواطئ إيطاليا . وأخذت الصحافية سامية من شروق ودنيا أرقام الهواتف الخاصة بهما وبعد الصور التي تخص سامي الطوبجي وأسماء أصدقاءه من أفراد العصابة .وأغلقت كل الروايات عن اختفاء سامي بعد لقاء سامية بأهالي شبلنجة وعرف الجميع أنه علي قيد الحياة وقد هاجر إلي إيطاليا , وكانت تسجل بالصوت أقوالهم عن سامي وتكتب بعض العناصر والعناوين وكأنها تعد تقريرا صحافيا عن الطوبجي في ظل دهشة أهالي شبلنجة مما علموا ومما يحدث وعلم الجميع أن الطوبجي مازال حيا وقد هاجر هجرة غير شرعية إلي إيطاليا . تحلل إبهام الخط العابر جسر الإحساس . ************************* 7ـ المصلحة الخاصة **** لم يعد هناك أملا في عودة سامي فقد تجاوز السنوات الستة بعد لقاء سامية الصحفية ولم يأتي أي خبر خلالهم عن سامي لدرجة أن البعض نسوا أمر هذه الصحفية والبعض قال أنه مات بعد ذلك . والبعض تكهن أنه سجن في غياهب سجون إيطاليا فعودته شبه مستحيلة . لكن بعد أن علموا من دلال الشغالة حقيقة المكالمة الهاتفية وأنه تحدث مع شقيقته المهندسة شروق هاتفيا وأخبرها بعودته خلال شهر أيقنوا حقيقة الصحفية وهي التي أخبرته برقم هاتف شقيقته لأنه قبل اختفاءه لم يكن معهما جهاز محمول . ففي شارع المرور أمام مكتب بريد شبلنجة القديم المجاور للمعهد الديني الأزهري في مقهى صغيرة دار حوار بين ثلاث رجال من أهالي شبلنجة وقد احتل الحزن إيماءات وجوه الثلاثة مما لاقوه من عصابة الطوبجي بعد علمهم من أسبوع بعودته خلال شهر . صابر تاجر الخضروات وسعيد مدير مكتب البريد وراضي صاحب الفرن البلدي . ــ صابر ينظر لسعيد نظرة حزن وألم قائلا : أيه اللي ممكن يحصل تاني يا سعيد أفندي . ؟ ــ ينظر له سعيد أفندي متأثرا دع الأيام تلقي ما بداخلها من أسرار لعله يكون خيرا أن شاء الله . ــ بلهجة خاطفة علي لسان راضي : ومنين يجي الخير واحنا بنام من المغرب دا قبل ما يجي سامي . قولي بقي أنت بعد ما يجي هيعمل فينا أيه ــ صابر : تصدق بالله يا سعيد أفندي إني طلعت الفاكهة والخضار اللي كنت مخزنهم لحد السعر لما يعلا شوية خوفت من رجالة الطوبجي ليهجموا علي المخزن وينهبوه طلعتهم وبعتهم بسعر السوق وكسبت ملاليم يللا أهو مكسب قليل والسلام ــ سعيد : احمد ربنا و بوس أيديك وش و ضهر انك بتكسب بالحلال ــ صابر : هو أنا لما أخزن البضاعة لحد ما تغلي يبقي حرام عليا دي تجارة يا سعيد أفندي وأنت رأيك أيه يا راضي يا أخويا ــ راضي : وأيه اللي يحرمه ما أنا بخبز نص حصة الدقيق وببيع الباقي ولو عملت غير كده مش ح أكسب إلا ملاليم والدنيا بقت نار وأنت عارف بس غصب عني خبزت الدقيق كله الأيام دي خوفت لا يجي رجالة الطوبجي يسرقوه قبل ما أبيعه قولت لنفسي الناس الغلابة أولي منهم . رجل أسمه عثمان يجلس بالقرب منهم علي المقهى وسمع الحوار الذي دار بينهم تقدم منهم رحبوا به قال لهم . ــ عثمان : أنا كنت ريس عمال عند المحلاوي وانتم عارفين أنه طردني من الشغل عشان رفضت الظلم والاستغلال . استغلال المحلاوي كبير للبلد بس المحلاوي مش حاسس بينا . ليه مش حاسس بينا واحنا بـ نعذره عشان هو من طينة واحنا من طينة تانية , أحنا غلابة وهو غني , أزاي انتم يا اللي مننا وغلابة زينا تستغلوا الغلابة اللي زيكم . ؟ وحد يخزن الخضار والفاكهة عشان سعرها يعلا ويزيد والتاني يبيع الدقيق ويحرم الناس من حقهم في العيش . حرام عليكم حرام بقي خوفكم من عصابة الطوبجي أكبر من خوفكم من ربكم .. وبحبكم للمال تنسوا أخرتكم . والله أنا شايف خبر رجوع الطوبجي خير علي الغلابة وشر علي المفترين الخضار طلع من المخازن وأتباع بسعره والدقيق كله أتخبز والعيش بقي موجود , نار سامي الطوبجي ولا جنة رياض المحلاوي ولا أنت أيه رأيك يا سعيد أفندي المصلحة الخاصة ولا المصلحة العامة … ؟ ينظر له سعيد صامتا . مرتديا علامات الاستفهام غارقا في تأملات الأمس سابحا في عيون الذكري . *************** الأديب الشاعر والسيناريست خالد الجمال…. السويس Tag: رواية من أجل ذلك" لخالد الجمال Share: