ضياع الحدود… واضطراب المعايير

بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس
المشكلة لا تبدأ حين يخطئ الإنسان،
بل حين يفقد إدراك أنه يخطئ.
وحين تختلط الأدوار،
يتحول كل شيء إلى مساحة مفتوحة:
طب بلا تخصص… دين بلا أدوات… فكر بلا منهج.
وهنا لا يعود السؤال: من يتكلم؟
بل: بأي حق يتكلم؟
من الرأي إلى الإلزام… الانزلاق الخفي
أخطر ما يحدث ليس القول الخاطئ،
بل انتقاله من كونه رأيًا إلى كونه حكمًا.
فترى من:
يقدّم الظن كأنه علم
ويعرض الاحتمال كأنه يقين
ويحوّل التجربة الشخصية إلى قاعدة عامة
ثم يُطلب من الناس أن يتبعوا… وكأن الأمر محسوم.
وهنا تبدأ الفوضى الصامتة:
فوضى لا تُعلن نفسها، لكنها تُربك كل شيء.
عندما يُرفع شعار التجديد بلا علم
كلمة التجديد في أصلها كلمة نبيلة،
لكنها حين تُنتزع من ضوابطها تتحول إلى أداة عبث.
فيُقال:
نعيد النظر في المسلّمات
نكسر التقليد
نحرر الفكر
لكن دون سؤال بسيط:
من يملك أدوات هذا الكسر؟ ومن يحدد ما يُكسر وما يُحفظ؟
وهنا يتحول التجديد من إصلاح… إلى اضطراب في المرجعيات.
غياب التخصص ليس حرية… بل خلل ميزان
ليس معنى حرية التعبير أن يصبح كل إنسان مرجعًا في كل علم.
فالعلوم ليست آراء متساوية،
بل مراتب ومعايير وتراكم خبرة.
وحين يُلغى هذا الفارق:
يصبح الطبيب مثل غير الطبيب
والعالم مثل غير العالم
والمتخصص مثل غير المتخصص
فتضيع البوصلة العلمية،
ويُستبدل العلم بالانطباع.
حين يتحدث الجميع… يختفي الصوت الموثوق
من نتائج هذا الانفلات: أن الناس لا يعودون يميزون بين:
العلم والرأي
والخبرة والانطباع
والدليل والحدس
فتتساوى الأصوات في أعين العامة،
حتى تضيع المرجعية التي يُرجع إليها عند الشدة.
وهنا تحدث المفارقة المؤلمة:
كثرة الكلام… تقود إلى قلة اليقين.
ميزان الحسم الإلهي: لا قيمة لقول بلا دليل
قال الله تعالى:
قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين
البقرة 111
فالقول في ميزان الحق لا يُقبل بالثقة،
ولا بالانطباع،
ولا ببلاغة الأسلوب…
بل بالدليل وحده.
والعلم الحقيقي: وقوف عند الحد لا تجاوزه
وقال الله تعالى:
إنما يخشى الله من عباده العلماء
فاطر 28
فالخشية ليست جرأة في القول،
بل وعيٌ بحدود المعرفة،
وإدراك أن ما لا يُحسن الإنسان الخوض فيه… ليس ساحةً له.
الخاتمة: حين تصبح الكلمة مسؤولية ثقيلة
ليست الأزمة في اختلاف الآراء…
بل في غياب ميزان من يتكلم ولماذا يتكلم.
فكلمة بلا علم قد:
تؤخر علاجًا
تخلط فهمًا
تزعزع يقينًا
ولهذا لم يترك الشرع الأمر مفتوحًا، بل ضبطه بقوله:
ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا
الإسراء 36
فالكلمة ليست حقًا مطلقًا…
بل أمانة.
وكل أمانة لا تُحمل بعلم… تتحول إلى عبء على الناس قبل صاحبها.



