ثقافية

دعاء غزاوى تكتب : علاقة اللغة العبرية باللغة العربية

بقلم الدكتورة دعاء غزاوى
كلية دار العلوم جامعة المنيا

تُعد العلاقة بين اللغتين العربية والعبرية من أعمق وأقوى العلاقات اللغوية في العالم؛ فهما ليستا مجرد جارتين جغرافيتين، بل هما أختان شقيقتان تنتميان إلى عائلة لغوية واحدة هي عائلة اللغات السامية.
هذا المقال يستعرض طبيعة هذه العلاقة الجذور التاريخية، وأبرز نقاط التشابه والالتقاء بينهما.

  1. الجذور التاريخية المشتركة (الأصل السامي)
    تنحدر اللغتان العربية والعبرية من أصل مشترك يُعرف في اللسانيات باسم “اللغة السامية الأم” (Proto-Semitic).
    اللغة العبرية: تنتمي إلى الفرع الشمالي الغربي (اللغات الكنعانية).
    اللغة العربية: تنتمي إلى الفرع الجنوبي الأوسط.
    بسبب هذا الأصل المشترك، تحتفظ اللغتان ببنية هيكلية متطابقة تقريباً في النظام الصرفي والنحوي، وهو ما يفسر التشابه الهائل الذي يلاحظه أي متعلم للغتين.
  2. نظام الاشتقاق والجذور المشتركة
    تعتمد كلتا اللغتين على نظام الجذر الثلاثي أو الرباعي لبناء الكلمات. من خلال هذا الجذر، يتم اشتقاق الأفعال، والأسماء، والصفات بناءً على أوزان صرفية محددة. وتتطابق المئات من الجذور والمعاني بين اللغتين، مع اختلافات طفيفة في نطق بعض الحروف.
    أمثلة على تطابق الجذور:
    كـتـب: في العربية (كَتَبَ / كِتَاب) \leftarrow في العبرية (כָּתַב – كَاتَاف / כְּתָב – كِتَاف).
    سـلام / شـلوم: في العربية (سَلَام) \leftarrow في العبرية (שָׁלוֹם – شَالُوم).
    بـيـت: في العربية (بَيْت) \leftarrow في العبرية (בַּיִת – بَايِت).
  3. التشابه في الضمائر والأعداد والأسماء الأساسية
    تتطابق اللغتان بشكل مذهل في الكلمات الأكثر عمقاً وفطرية في الإنسان، مثل أسماء أعضاء الجسم، وأفراد العائلة، والأعداد، والضمائر المستترة والمنفصلة.
  4. التأثير المتبادل عبر التاريخ (العصر الذهبي الأندلسي)
    لم تقتصر العلاقة على الأصل المشترك، بل حدث احتكاك وتأثر ثقافي ولغوي مباشر، وتحديداً في الأندلس وبلاد المشرق الإسلامي خلال العصور الوسطى (ما يُعرف بالعصر الذهبي للثقافة اليهودية في الأندلس):
    تأثر العبرية بالعربية: كان العلماء والفقهاء والشعراء اليهود (مثل موسى بن ميمون، وابن جَبِيرول) يكتبون مؤلفاتهم الفلسفية والعلمية بلغة عربية (أو بحروف عبرية ولغة عربية، ما يُعرف باليهودية العربية).
    النحو والصرف: استعار علماء النحو العبري القواعد والمصطلحات النحوية من علم النحو العربي (مثل القياس، والوزن، والاعتلال) لتنظيم وضبط قواعد اللغة العبرية التي كانت تعاني من الركود حينها كُلغة حديث يومي.
    الشعر: اقتبس الشعراء اليهود بحور الشعر العربي وقوافيه وطبقوها على قصائدهم العبرية.
  5. الفروق الجوهرية بينهما
    رغم الأخوّة اللغوية، إلا أن لكل لغة مساراً تاريخياً جعلها تختلف عن الأخرى:
    الأصوات: احتفظت العربية بالعديد من الأصوات السامية الحلقية والمفخمة (مثل: الضاد، والظاء، والعين، والحاء)، بينما فقدت العبرية الحديثة (المتأثرة باللكنات الأوروبية) تميز بعض هذه الأصوات؛ فصار الحاء ينطق كالخاء، والعين ينطق كالألف أو الهمزة في الغالب.
    الكتابة: تُكتب العربية بالخط العربي النبطي المتصل، بينما تُكتب العبرية بالخط المربع (الآرامي الأصل) المنفصل.
    التطور التاريخي: ظلت العربية لغة حية مستمرة دون انقطاع بفضل القرآن الكريم والشعر، بينما تراجع استخدام العبرية لقرون طويلة كلغة حديث يومي واقتصرت على الطقوس الدينية، قبل أن يتم إحياؤها في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين.

خاتمة
إن دراسة العلاقة بين العربية والعبرية تكشف عن لغتين تشتركان في “الحامض النووي” اللغوي نفسه. هذا التقارب يجعل من يتعلم إحدى اللغتين يجد سهولة فائقة في استيعاب الأخرى، ويؤكد أن اللغتين، رغماً عن أي سياقات سياسية أو تاريخية، تظلان شاهدين على هوية ثقافية وحضارية مشتركة نبتت من جذور الشرق الأوسط الواحد.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *