
إعداد: منال الشربيني
في قراءتنا الأولية للنص “قمح ورغيف” لرجاء بحصاص، سورية، نرى أن الشاعرة تمنحنا نموذجًا ناضجًا في الشعر الرمزي المعاصر، إذ تستدعي القصيدة شبكةً دلالية مكثفة تتأرجح بين رموز الحياة والخصب وبين رموز الفقد والاغتراب.تؤاخي من خلالها الشاعرة بين الروح والجسد؛ الرغبة والقيد، والموت والحرية. تتخذ من اللغة في دلالتها العميقة مداخل تحليل نفسي و سيميائي، تتقاطع فيها نظريات فرويد، لاكان، ريكور، وباشلار مع إرث الشعر العربي الحداثي.
يفتتح النص بنداء وجودي:
“هات يدكِ
لي ولكِ من القمح رغيف
ومن العشق مقدار طفيف”
حيث “القمح” و”الرغيف”يمثلان معادلًا موضوعيًا للحياة والاحتواء، تعكس ما يشير إليه فرويد E and the Id (1923) حول النزوع البشري نحو الإشباع، بدءًا من الحاجات البيولوجية، وصولًا إلى الحاجات النفسية (Freud, 1923). “الرغيف” هو رغيف الوجود، حاجة الحياة، بينما “العشق” لا يُمنح إلا بـ”مقدار طفيف”، ما يشير إلى حرمان عاطفي دفين.
هذه الثنائية بين القمح والعشق تعكس دراميًا لما يسميه فرويد بثنائية “الإيروس والثاناتوس”؛ أي الصراع بين دوافع الحياة (الإيروس) ودوافع الموت أو الفقد (الثاناتوس). إذ يتصارع اللاوعي عند الشاعرة في الرغبة في الانفلات بالحب مع الذعر من الوقوع فيه في الواقع. تقول:
“بالحب لا شيء مخيف
وأنا قلبي عفيف”
تُجسّد هذه العبارة، وفق منظور لاكان، صياغة جديدة للرغبة داخل اللغة، إذ لا تُروى الرغبة إلا من خلال غيابها (Lacan, 1977). فـ”العفاف” هنا ليس نفيًا للرغبة، بل هو تعبير عن توتر داخلي بين الرغبة وكبحها، بين “الهو” الساعي للذة و”الأنا” الساعي للتماهي مع الضوابط الاجتماعية.
وفي مشهد آخر تقول الشاعرة:
“أضيفي عصير قصب السكر
لعلقم فراقنا”
يمثّل “عصير قصب السكر” رمزًا للذة الطفولية والجسدية، بينما “العلقم” يحيل إلى مرارة الفقد والحرمان، وتشكّل هذه الصورة تمثيلًا لما يسميه بول ريكور بـ”جماليات الألم” (Ricoeur, 1970)، حيث يتعانق الألم مع الجمال داخل التجربة الشعورية. هذه المزاوجة بين الحلو والمر ليست فقط حيلة بلاغية، بل صورة نفسية للذات التي تتأرجح بين لذة الاقتراب وخوف الخسارة.
تغتني القصيدة بفضاء رمزي يستدعي عناصر الطبيعة الأنثوية:
“هاتِ فؤادكِ
واجعليه جدولاً
وجراراً من عنب
واملئي كؤوسه
من عذب اللقاء”
إن رموز “الجدول”، “العنب”، و”الكروم”، جميعها ترتبط بمفهوم الخصوبة والتجدد. وفق جاستون باشلار، فإن الماء والعنب والنبات هي امتدادات للخيال الشعري، وتُعدّ علامات أنثوية للخلق والحياة (Bachelard, 1942). فهي ليست عناصر طبيعية فحسب، بل تشكّل مشهدًا داخليًا يعكس الرغبة في الولادة الثانية عبر الحب.
في مقطع آخر، تتخذ الرمزية منحًى أكثر غموضًا:
“وتلقي بمفتاح الكلام
في كهف من الكهوف”
هنا يتشابك “المفتاح” مع “الكهف” في صورة مزدوجة: الأول رمز للسلطة والبوح، والثاني رمز للخفاء والمكبوت. هذا الانغلاق على الذات – رمي المفتاح – يعيدنا إلى تصور لاكان عن “الموضوع الصغير a” (objet petit a)، أي الرغبة الدائمة في ما لا يُنال، الرغبة التي تستحيل إلى فَقد مستمر (Lacan, 1977). فالكهف لا يمثل فقط لاوعي الشاعرة، بل أيضًا عجزها عن التعبير، عن “الكلام”.
وتقول:
“هات ليلي
وخذي نهاري
فأيامي صحراء قاحلة”
الليل هنا، في دلالته السيميائية، هو موضع الحميمية والدفء، بينما النهار هو زمن التيه والوحشة، أي الزمن الواقعي الخالي من الخصب. وتُظهر هذه الثنائية الزمنية – الليل/النهار – الصراع بين الواقع الداخلي والانخراط في عالم خارج الذات. الليل، وفق هذه القراءة، هو زمن الذات، وزمن اللقاء.
تختم الشاعرة قصيدتها بنداء:
“حريتي….
رجاء بحصاص
سورية”
تشير هذه النهاية إلى أن الحرمان الفردي – سواء كان جسديًا أو عاطفيًا – ليس معزولًا عن سياقه الجمعي. فالحرية هنا تتجاوز كونها مجرد حرية حب، لتصبح حرية وطن وهوية. وتُمثل هذه الإحالة صدى لرؤية جورج لوكاش في The Theory of the Novel (1971)، حيث يرى أن التجربة الفردية تُعبّر عن أزمة أوسع تخص الجماعة. فـ”الصحراء القاحلة” التي عانت منها الشاعرة ليست فقط مجازًا لعطش الحب، بل عطش الكرامة والوجود في وطنٍ مأزوم.
تُحاكي “قمح ورغيف” بعض خصائص القصيدة الحداثية لدى نزار قباني، خاصةً في تمازج الجسد بالروح، والبعدين الشخصي والوطني. لكنها، من حيث البنية الرمزية والتكثيف الاستعاري، تقترب أكثر من تجربة أنسي الحاج، حيث اللغة مختزلة لكنها مشحونة بالإيحاء. كما تتداخل مع النزعة السريالية لدى بول إيلوار، خصوصًا في صور مثل:
“من عصير السفرجل
قصي الحكايا”
وهي استعارة تحطم المنطق التقليدي وتُفعّل المخيلة كوسيط للتأويل.
تُعدّ قصيدة “قمح ورغيف” نصًا حداثيًا مركّبًا يتجاوز التعبير العاطفي السطحي إلى الغور في بنية النفس والرغبة واللغة. تمكّنت الشاعرة رجاء بحصاص من أن تحوّل التجربة الشخصية إلى خطاب شعري متعدد الدلالات، يتوسل رموز الخصوبة والطبيعة والحرمان، في تركيب شعري يستحق أن يُدرس في ضوء مدارس التحليل النفسي والرمزية الحديثة. وقد جاء التوظيف السيميائي للجسد واللغة والمكان ناضجًا، كاشفًا عن وعي شعري متقاطع مع حقول الفلسفة والتحليل والهوية.
…
References
Bachelard, G. (1942). L’eau et les rêves: Essai sur l’imagination de la matière. José Corti.
Freud, S. (1923). The ego and the id (J. Riviere, Trans.). Norton.
Lacan, J. (1977). Écrits: À sélectionner (A. Sheridan, Trans.). Norton.
Lukács, G. (1971). The theory of the novel. MIT Press.
Ricoeur, P. (1970). Freud and philosophy: An essay on interpretation. Yale University Press.