مقال

خطوات تتحمل ما لا يراه احد

بقلم/نشأت البسيوني

يمضي الانسان في دروبه اليومية وكأن خطواته تحكي قصة لا يسمعها أحد قصة محملة بتعب خفي لا يظهر في الملامح ولا تكشفه الكلمات لكنه يعيش داخله كجبل صامت لا ينهار ورغم هذا الثقل يواصل السير لأن داخله قوة لا يعرف مصدرها إلا حين يختلي بنفسه فيكتشف أن الله يزرع في صدره صبراً لا يشبه صبر الأمس وفي رحلة الحياة يتعلم أن هناك معارك لا تعلن وأن هناك

مواقف لا يحكي عنها مهما أوجعته وأن ألمه ليس بالضرورة أن يفهمه الآخرون لأنه في النهاية مسؤول عن لملمة نفسه وعن جمع شتاتها وعن أن ينهض كلما سقط دون انتظار يد تمتد له في اللحظة المناسبة ومع ذلك تبقى بعض الليالي طويلة يمر فيها بكل ما حاول نسيانه وبكل ما أخفاه حتى عن نفسه لكنه ينهض في الصباح كأن شيئاً لم يكن ويتأكد مع الوقت أن القوة ليست في الصراخ ولا في

إثبات القدرة ولا في مواجهة الكل بل في أن يحافظ على هدوئه وأن يتمسك بكرامته وأن يختار الانسحاب عندما يرى أن البقاء يستهلكه وأن يستمر فقط في الطرق التي تمنحه سلاماً ولو قليلاً لأن السلام الداخلي أصدق من ألف انتصار خارجي وفي كل مرة يقترب فيها من الانكسار يتذكر أن الله لا يضع في دربه شيئاً إلا لحكمة وأن القلوب التي تثقلها الابتلاءات تصبح أعمق وأكثر رحمة

وأن الانسان حين يخرج من محنته يصبح مختلفاً أكثر حكمة وأكثر فهماً وأكثر تقديراً للأيام التي تمر به بهدوء دون ألم شديد فيتغير تقييمه للأشياء ولا يعود يرى الحياة كما كان يراها من قبل وتكبر بداخله قناعة أن العلاقات لا تقاس بطول السنين بل بصدق المواقف وأن الكلمات الجميلة لا تكفي إن لم يسندها فعل حقيقي وأن الأشخاص الذين يتركونه في منتصف الطريق لم يكونوا يوماً سنداً

حقيقياً وأن الله يعوضه بمن يفهمه دون شرح ويقدره دون مطالب ويقف معه حين يحتاج لا حين يتفرغ الآخرون ومع تقلب الفصول يتأكد أن كل خطوة تحمل وجعاً كانت سبباً في أن يصبح أثبت مما ظن وأن كل ليلة نام فيها وهو يظن أنه لن ينهض مرة أخرى كانت باباً لمرحلة أقوى مما تخيل وأن الله يكتب له في الخفاء ما يمحو به آثار تعبه وما يعيد له نفسه التي ظن أنها ضاعت بين الزحام

يدرك الانسان أن ما يعيشه ليس بسيطاً وأن تحمله ليس عادياً وأن الخطوات التي يظنها بطيئة تحمل في داخلها قوة لا يراها أحد وأن رحلته مهما طالت ستصل به إلى ما كتب له وأن الصبر الذي يرافقه سيظل أعظم دليل على أنه قادر على الوقوف مهما تكاثرت عليه الأيام

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *