بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن علم الله سبحانه وتعالى الذي لا تبلغ عقولنا منه شيء، فأرواحنا هذه التي في أقفاص صدورنا، هذه التي في جنبات أبداننا، أرواحنا هذه التي نتحرك بها نحن لا نعلم عن كنهها شيئا، فهدى الطفل يوم أن وضعته أمه لا يعرف شيئا ولا يبصر شيئا، فهداه إلى ثدي أمه ليجد فيه اللبن، وهدى النملة لتخزن قوتها استعدادا لفصل دون فصل، ولشتاء دون صيف، وهدى النحلة أن تطير آلاف الأميال لتأخذ الرحيق وترجع مرة ثانية إلى خليتها، وهدى الحمام يوم ينقل الرسائل من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد، لا يضيع ولا يضل ولا يزيغ، ويقول العالم كريسي موريسون إن النحلة لا يمكن أن تهتدي لتعود إلى خليتها ولتعود إلى مكانها بعد أن تطوف مسافات بعيدة لتمص وتمتص رحيق الأزهار، لا يمكن أن تعود إلا وقد استخدمت آلة لتحدد الطريق والاتجاهات، وسماها إريل، أي يقول إن هذه النحلة تحتاج إلى إريل.
لتعلم أين مكانها وإلى أين تتجه، وإنه يقول ذلك لأنه جاهل، ولكن من يعرف الحقيقة يعلم أن الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، هدى النحلة وقد ذهبت مكانا بعيدا لتعود إلى مملكتها وإلى خليتها، فكم تجدنا في مجالسنا قد أكثرنا فيها الكلام الباطل الذي لا خير فيه، أو كلاما لا فائدة منه وإن كان مباحا مع أن خطر اللسان عظيم، ولا نجاة من خطره إلا بالصمت، ولو أننا صمتنا لكان الصمت خيرا لنا، ولكن الصمت عبادة لا يلقاها إلا القليل من عباد الله الصالحين، وجاءت نصوص الكتاب والسنة تحثنا على قلة الكلام وعدم الإكثار منه، ومن المعلوم أن الإنسان كثير الكلام كلما كثر كلامه كثر لغطه ولا خير في أكثر الكلام الذي يتكلم به الناس إلا من أمر بصدقة أو مغروف أو إصلاح بين الناس، وانظروا في نجوانا في مجالسنا يكاد الشيطان أن يرفع رايته البيضاء يلقي بيننا وبينه الصلح.
لأننا لا نجد ولا نترك مسلما إلا نهشنا لحمه، وكسرنا عظمه كأن بيننا وبين المسلمين عداوة ولما غلى اللحم عند الجزار أصبح المسلم يأكل لحم أخيه المسلم بالليل والنهار، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كثر كلامه كثر سقطه، ولذلك قال عبد الله بن طاوس رحمه الله كان طاوس بن كيسان رحمه الله يتعذر من طول السكوت ويقول إني جرّبت لساني فوجدته لئيما” وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال “أنذرتكم فضول الكلام، بحسب أحدكم ما بلغ حاجته” وقال مالك بن دينار رحمه الله “لو كُلف الناس الصحف لأقلوا المنطق، وأن الإنسان ينبغي له أن لا يخرج من كلامه إلا ما يحتاج إليه، كما أنه لا ينفق من كسبه إلا ما يحتاج إليه وقال لو كنتم تشترون الكاغد وهو الورق الذي يُكتب فيه للحفظة لسكتم عن كثير من الكلام، وعن إبراهيم بن عبد العزيز التيمي قال المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر،
فإن كان كلامه له تكلم، وإن كان عليه أمسك عنه، والفاجر إنما لسانه رسلا رسلا، ومعني رسلا أي ليّنا مسترخيا لا تؤدة فيه، ويقول أبو حاتم”لسان العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القول رجع إلى القلب، فإن كان له قال، وإلا فلا، والجاهل قلبه في طرف لسانه ما أتى على لسانه تكلم به، وما عقل دينه من لم يحفظ لسانه” فإن استوى عندك الوجهان في الكلام ولم تدرِ أفي الكلام خير أم لا؟ فأمسك عن الكلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم “من صمت نجا” ومن أسباب التثبيت في الفتن هو إصلاح النفس وتزكيتها بالطاعة والعبادة، حيث قال تعالى ” ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” العبادة في الهرج كهجرة إلي ” رواه مسلم، والأعمال الصالحة مصادّ للفتن ووقاية منها، وبها يدخر المسلم رصيدا من الخير في الرخاء.
فإذا ما نزلت الفتن كانت النجاة بفضل الله ، ويوضح هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ” رواه مسلم، وعذا نبي الله يوسف عليه السلام نجّاه الله من الفتن بالإخلاص، حيث قال تعالى ” كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين” وأهل الكهف نجاهم الله وحماهم حين لجؤوا إليه سبحانه فقالوا ” ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا” اسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره، وحسن عبادته إنه سميع مجيب، اللهم أيقضنا من رقدة الغافلين، وأغثنا بالإيمان واليقين واجعلنا من عبادك الصالحين وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


