كتبت /رحاب الحسيني
إختبار الصداقة المزيّف
حين يتحول الوفاء إلى «حرق متعمد» للقيم والإنسان.
في عالم تسيطر عليه هوس “الترند” وتصاعد الرغبة في حصد المشاهدات، تطل علينا بين الحين والآخر ظواهر تتجاوز حدود المنطق والعقل. مؤخراً، ضجت منصات التواصل الاجتماعي في مصر بممارسة صادمة عُرفت بـ «اختبار قوة الصداقة»؛ حيث يتشابك صديقان بالأيدي ويُسكب عليهما ماء مغلي، ليكون “الخائن” هو من يسحب يده أولاً تحت وطأة الألم. هذه الظاهرة ليست مجرد “تحدٍ” عابر، بل هي ناقوس خطر يدق أبواب الوعي المجتمعي، معلنةً عن تشوه عميق في فهم أسمى العلاقات الإنسانية.
الصداقة، مودة ورحمة لا «تعذيب ذاتي»
إن جوهر الصداقة في الثقافة الإنسانية والأديان هو الأمان. عندما يتحول الصديق إلى مصدر للألم الجسدي، أو يصبح اختبار الوفاء مشروطاً بمدى قدرتك على تحمل الاحتراق، فإننا أمام انحراف سلوكي خطير. الصداقة الحقيقية تُبنى على “الدعم” في الأزمات، لا على “صناعة” الأزمة لإثبات الولاء.
هذا الضغط النفسي الذي يُمارس على المراهقين والشباب يضعهم في مأزق الابتزاز العاطفي: إما أن تحترق معي، أو أنت لست صديقي.
الفاتورة الباهظة ،جروح تبقى للأبد
بعيداً عن الفلسفة، هناك واقع طبي مرير؛ فالماء المغلي يسبب حروقاً قد تصل إلى الدرجتين الثانية والثالثة في ثوانٍ معدودة. هذه الحروق لا تترك ندوباً جلدية قد تحتاج لعمليات تجميل فحسب، بل قد تؤدي إلى تضرر الأعصاب والأنسجة الدائمة. النفسياً، يزرع هذا التحدي فكرة “تطبيع العنف”، ويُفقد الإنسان غريزة الحماية الذاتية الفطرية، مما يجعل الشخص عرضة لقبول أشكال أخرى من الإيذاء في المستقبل تحت مسمى “الحب” أو “الوفاء”.
المحرك الأساسي لهذه الكوارث هو خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تُكافئ السلوك الشاذ والصادم بمزيد من الانتشار. الشباب، وفي سياق سعيهم للقبول الاجتماعي أو الشهرة السريعة، يقعون فريسة للتقليد الأعمى. هنا تتحول الكاميرا من أداة لتوثيق اللحظات الجميلة إلى أداة لتوثيق “الجهل الجسدي”، حيث تُباع السلامة الجسدية مقابل “إعجاب” (Like) أو “مشاركة” (Share).
المنظور الشرعي ،جسدك أمانة وليس ملكاً للتجارب.
جاءت الشريعة الإسلامية بقاعدة ذهبية قطعية «لا ضرر ولا ضرار».
إن تعريض النفس للأذى المتعمد هو إثم شرعي، فجسد الإنسان أمانة أستودعه الله إياها، وليس ساحة للإختبارات الصبيانية.
الفقهاء أكدوا أن إلقاء النفس في التهلكة محرم، وأعتبروا أن الوفاء الحقيقي هو الذي يحفظ الصديق في غيبته ويسنده في محنته، لا الذي يدفعه إلى كرسي المشوهين في المستشفيات.
كيف نواجه هذا العبث؟
إن المواجهة تتطلب تكاتفاً على مستويات عدة
الأسرة، بضرورة مراقبة المحتوى الذي يستهلكه الأبناء وفتح لغة حوار حول المعنى الحقيقي للقيمة الإنسانية.
المؤسسات التعليمية والدينية ،عبر تكثيف حملات التوعية بمخاطر التحديات الرقمية القاتلة.
المسؤولية الرقمية ،يجب على مستخدمي التواصل الإجتماعي الإبلاغ عن هذه الفيديوهات بدلاً من مشاركتها، لتجفيف منابع انتشارها.
إن الوفاء لا يحتاج إلى “ترند”، والرجولة لا تُثبت بالإحتراق، والصداقة أسمى من أن تُختزل في وعاء ماء مغلي.
الصداقة الحقيقية هي تلك التي تجفف دموعك، لا تلك التي تحرق جلدك.
لنتذكر دائماً أن الآثار التي تتركها الحروق على الجلد قد تلتئم مع الزمن، لكن تشوه القيم في عقول الجيل القادم هو الجرح الذي قد لا يبرأ أبداً.

