مقال

حين غاب الله عن القلوب… انهارت القيم وتفكك الإنسان


د.سوهير الطويل
لم يكن ابتعادنا عن الدين يومًا مجرد تقصير في العبادة، بل كان انسحابًا تدريجيًا للقيم من القلوب، وتراجعًا خطيرًا للضمير الإنساني، حتى وصلنا إلى ما نعيشه اليوم من انزلاق أخلاقي، وتفكك اجتماعي، وعنف يضرب المجتمع في عمقه.
لقد غاب الله عن السلوك، لا عن الشعارات، فغابت معه الرحمة، وسقطت الحدود، وانهارت المعاني.


الدين لم يكن طقوسًا تُؤدى في مواسم، بل كان سياجًا يحمي الإنسان من نفسه، ويضبط شهوته، ويصون علاقاته، ويقيم ميزان العدل داخل القلب قبل أن يقيمه في الواقع. وحين كسر الإنسان هذا السياج، انفلت كل شيء.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾
وما نراه اليوم من ضيق نفسي، واضطراب عاطفي، وانهيار أخلاقي، هو ترجمة واقعية لهذه الآية.
ما يحدث في العلاقات بين الشباب والفتيات ليس تطورًا اجتماعيًا كما يُروَّج، بل هو نتيجة مباشرة للبعد عن منهج الله. خطوبة بلا التزام، وقرب بلا زواج، وحب بلا مسؤولية، وعلاقات تُبنى على الشهوة لا على الميثاق.


وما حرّمه الله منذ آلاف السنين لم يكن تشددًا، بل رحمة.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
فلم يقل “لا تزنوا” فقط، بل “لا تقربوا”، لأن الله يعلم طبيعة النفس البشرية، ويعلم أن الانزلاق يبدأ بخطوة صغيرة، ثم يتحول إلى سقوط كبير.
حين غاب الوازع الديني، لم تعد الخطوبة عهدًا، ولا الكلمة وعدًا، ولا الجسد حرمة، ولا المشاعر أمانة. فتاة تُستنزف باسم الحب، وشاب يتنصل باسم الحرية، وعلاقة تبدأ بلا ضوابط وتنتهي بلا حقوق. ثم نتساءل: لماذا كثُر الألم؟ ولماذا تفاقمت الخيبات؟ ولماذا ضاعت الثقة؟
الانهيار الأخلاقي لا يقف عند حدود العلاقات، بل يمتد ليضرب المجتمع كله. فحين يسقط الضمير، يسهل الكذب، ويُبرَّر الخداع، ويُستباح الظلم، ويصبح العنف لغة يومية.
قال تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾
فالفساد الذي نراه ليس قدرًا، بل نتيجة، وليس مفاجأة، بل حصاد مسار طويل من الاستهانة بالقيم.
ورمضان، الذي نعيشه اليوم، ليس شهر الامتناع عن الطعام فقط، بل شهر العودة إلى الله، وإعادة ترميم القلوب، ومراجعة المسار. شهر نتعلم فيه أن الدين أخلاق قبل أن يكون عبادات، وسلوك قبل أن يكون مظهرًا.
قال رسول الله ﷺ:
«إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»
فإذا صلّينا بلا أخلاق، وصمنا بلا قيم، وتدينّا بلا أثر في سلوكنا، فقد فرغ الدين من روحه.
أزمتنا الحقيقية ليست في الظروف الاقتصادية وحدها، بل في فراغ الروح، وفي قلوب لم يعد يحكمها خوف من الله ولا حياء من الناس. ولن ينهض المجتمع بقوانين صارمة فقط، بل بعودة صادقة إلى الله، وبإحياء الضمير، وبإعادة القيم إلى مكانها الطبيعي في الحياة.


حين نعود إلى الله، تعود القيم، وتستقيم العلاقات، ويُشفى الإنسان من داخله…
أما البعد عن الدين، فثمنه دائمًا انهيار أخلاقي، ودمار إنساني، مهما طال التجميل والتبرير.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *