حين تصدقُ المحبّة… يستحيل الأذى
بقلم: رجب كمال
كاتب صحفي
مهتم بقضايا الوعي المجتمعي
وترسيخ القيم الأخلاقية في الخطاب العام
ليست المحبّة ادّعاءً يُقال عند الصفاء، ولا قناعًا يُلبَس في مواسم الوِدّ ثم يُخلَع عند أوّل اختلاف. المحبّة الصادقة حالةٌ أخلاقية قبل أن تكون شعورًا عاطفيًا، وموقفٌ إنسانيٌّ راسخ قبل أن تكون كلماتٍ منمّقة. فمن صدقك في محبّته، واصطفاك لمودّته، يستحيل عليه – لا مجازًا بل حقيقة – أن يؤذيك عند الخلاف؛ لأنّ المحبّة إذا خالطت النفس زكّتها، وإذا سكنت القلب هذّبت أخلاقه، وإذا استقرّت في الوجدان سمت بالسلوك وارتقت بالتصرف.
الخلاف في ذاته ليس شرًّا، بل هو سنّة الحياة واختلاف الطبائع، لكنّ الامتحان الحقيقي يظهر في طريقة إدارته. فكم من ودٍّ انكشف زيفه عند أول مفترق، وكم من علاقةٍ سقطت أقنعتها حين اصطدمت الآراء، فبان أنّها كانت قائمة على المصلحة لا على المحبّة، وعلى التعلّق لا على الوفاء. أمّا المحبّة الصادقة، فهي لا تنقلب سُمًّا عند الغضب، ولا تتحوّل سكاكين عند العتاب، لأنّها محكومة بميزان الضمير قبل ميزان العاطفة.
المحبّ حقًّا لا يجرح، وإن جادل؛ ولا يفضح، وإن اختلف؛ ولا يهين، وإن ضاق صدره. يدرك أنّ الكلمة جرحٌ قد لا يُرى، وأنّ القسوة خيانة صامتة لجوهر المحبّة. لذلك يختار ألفاظه كما يُمسك الزجاج، ويتأنّى في ردوده كما يتأنّى الجراح في موضع القلب. فالمحبّة ليست اندفاعًا أعمى، بل وعيٌ أخلاقيٌّ يُلزم صاحبه بالرفق، حتى في أشدّ لحظات التوتر.
وحين نتأمّل واقع العلاقات اليوم، ندرك كم أصبحت المحبّة هشّة، تُختزل في مصالح عابرة أو مجاملات سريعة، فإذا تعارضت الرغبات، انكشفت الأنانية، وسقطت الأقنعة، وتحول الودّ إلى خصومة، والذكريات إلى ساحة تصفية حسابات. هنا لا يكون الخلاف هو المشكلة، بل غياب المحبّة الحقيقية من الأساس؛ لأنّ ما بُني على غير صدق، ينهار عند أول اختبار.
إنّ المحبّة التي تُؤذي ليست محبّة، بل تملّك مقنّع، أو تعلّق مشروط، أو حاجة أنانية تبحث عن ذاتها في الآخر. أمّا المحبّة النقيّة، فهي التي تُقدّم الكرامة على الانتصار، والرحمة على الغلبة، والحفاظ على الإنسان قبل الحفاظ على الرأي. وهي التي تجعل صاحبها يقول: “نختلف، لكن لا نكسر بعضنا”، “نعاتب، لكن لا نُهين”، “نغضب، لكن لا نخون الودّ”.
في زمنٍ ازدحمت فيه القلوب بالضجيج، نحتاج أن نعيد تعريف المحبّة بوصفها خُلُقًا راقيًا، لا حالة عاطفية مؤقتة. نحتاج أن نُذكّر أنفسنا أنّ صدق المحبّة لا يُقاس بمدى القرب عند الصفاء، بل بعمق الاحترام عند الخلاف. فهناك تُعرف المعادن، وتُوزن القلوب، ويظهر من أحبّك لذاتك، ومن أحبّك لصورته عنك.
ختامًا، ليس كل من قال “أحبّك” محبًّا، وليس كل من خالفك عدوًّا. لكن المؤكّد أنّ من آذاك عند الخلاف، لم يسكنك يومًا محبّةً صادقة، لأنّ المحبّة – حين تكون حقًّا – تُهذّب ولا تُؤذي، تُصلح ولا تُفسد، وتبقى إنسانيةً حتى في لحظات الاختلاف.

