بقلم / محمد جابر
حين يتحول القانون من نص حماية إلى ثغرات تدار منها الحكاية .ويتحول الردع من واقع واجب النفاذ إلى وهم تعزف له الألحان ويصفق مغيبوا الوعي إلى مزوري الوعي بمباركة معدومي الضمير.
وجود هؤلاء داخل هذه المؤسسات ليس مجرد خطأ إداري بل جريمة معنوية في حق أجيال متعاقبة لأنه يزرع في وعيهم أن الهبد علم وأن الورق شهادة وأن التكريم درع وأن الادعاء كفاءة وأن المظهر يغني عن أي جوهر.
لم يعد الخطر محصور في من يدعي زور حصوله على دكتوراه في الصحة النفسية ولا في مدعي التدريب أو الكوتشينج أصحاب الشهادات الورقية الصادرة عن كيانات وهمية ولا في مدعي العلاج بالأعشاب أو أوهام الطاقة أو قراءة الأبراج بل تجاوز ذلك إلى الأخطر بل والأشد خطورة حين يجد هؤلاء لأنفسهم موطئ قدم داخل مؤسسات الدولة نفسها تحت مسمى مستأجري القاعات.
يقام هذا التهريج والتغريب والاحتيال داخل قاعات الدولة وتلك الظاهرة آخذة في الاتساع وأصبحت تجارة كما أن القائمين عليها باتوا يشكلون تكتل متزايد بدعم متبادل على مستوى الكيان الواهن المنظم أما على مستوى الحضور فالدائرة مفرغة والجهل هو الداعم واتساعه يسهم في تسفيه العقول وتغريب الوعي. كما أن المعتقد السائد لديهم أن مجرد الجلوس بين جدران هذه الحصون يمنح الشرعية ويصبغهم بصفة علمية بينما الحقيقة أن لا شرعية في الادعاء ولا سند علمي لما يقدم.
تلك الجهة المنظمة تعتمد على استدعاء بعض الشخصيات في مجالات مختلفة لتصبغ الحضور بصيغة تميل إلى المصداقية تلك النوعية من الحضور بصرف النظر عن طبيعتهم الوظيفية إلا أنهم يضعون تحت فئة المنتفعين أو الجهلاء المنافقين مما يعزز شرعية زائفة للحدث ويربك إدراك المتلقي لحقيقة المحتالين.
وهنا يثور الممر سائلا وهذا سؤال لا يجوز الهروب منه لماذا يسمح لهؤلاء باستخدام هذه القاعات وهل كونهم مستأجرين يمنحهم حق تقديم هذا السفه أو تسويق هذا الوهم أو العبث بعقول الناس باسم التدريب والتنمية والدعم النفسي تحت غطاء كيانات تطلق على نفسها أكاديمية أو مؤسسية
أليس في فتح أبواب هذه القطاعات لهم اعتراف ضمني بأهليتهم. أليس في السماح لهم باعتلاء هذه المنصات خيانة غير مباشرة للوعي العام وتزكية غير معلنة للجهل المنظم
الدولة تحرم انتحال الصفة ومزاولة المهنة دون ترخيص وتزوير الشهادات وفي الوقت ذاته تمنح المنصات الرسمية لمن لا يحملون صفة ولا ترخيص ولا علم. ويقال إن دخولهم يتم بأوراق تتبع مؤسسات وإن ما يقدم على مسؤوليتهم لكن أليس من الواجب وجود رقابة واعية. أم أن تحصيل القيمة الإيجارية أصبح المعيار الحاكم
أخطر ما في هذا الممر أن الجهل فيه ليس عرض بل أصل أصيل متأصل داخله وأن التزيف والتلاعب بعقول الناس ليس نتيجة بل منهج معد مسبقا وأصبح قيد التنفيذ وأن الوهم لا يسوق فقط لقليلى الوعي والخبرة بل يعاد إنتاجه على أيدي ضحايا سابقين دخلوا دائرة من الزيف المتوارث فتتكاثر منهجية الاحتيال.
إن الدولة حين تواجه هؤلاء تواجه ثقافة كاملة من التزييف والتغريب والاتجار بالعقول وإن إعادة فتح المنصات لهم داخل حصون المعرفة ليس حياد. بل انحياز صامت للزيف والباطل على حساب الحق والشرعية وتلك مشاركة صريحة في إنتاج الوهم.

