اخبار

حين تتحدث الأقمار الصناعية بلغة الصحافة.. الاستشعار عن بعد في خدمة الخبر

كتبت : ساهرة رشيد/ العراق

قد يصل الخبر إلى غرفة التحرير قبل أن يصل الصحفي إلى مكان الحدث.
قد تكون مظاهرة سلمية أغلقت شارعا رئيسيا، أو حريقا اندلع في منطقة يصعب الوصول إليها، أو فيضانا عزل منطقة عن محيطها، أو تغيرا عمرانيا أخذ يتسع بعيدا عن عدسة الكاميرا. وفي كل مرة، يجد الصحفي نفسه أمام السؤال ذاته: كيف أرى ما يحدث هناك، وأنا لا أستطيع الوصول إليه الآن؟
في الصحافة، لا تكفي المعلومة وحدها. نحتاج إلى مكانها، وزمانها، وسياقها، ومصدرها، وما يؤكدها أو ينفيها.
وهنا تبدأ حكاية مختلفة، حكاية تقنية قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن غرفة الأخبار، لكنها تقترب منها شيئا فشيئا.
الاستشعار عن بعد.


فمن الأعلى، حيث تدور الأقمار الصناعية، يمكن التقاط صور وبيانات عن سطح الأرض، ومتابعة التغيرات التي تحدث فيه من دون الحاجة إلى الوصول المباشر إلى كل موقع.
وهذه ليست دعوة لأن يستبدل الصحفي الميدان بصورة فضائية، وإنما لأن يضيف إلى أدواته عينا أخرى تساعده عندما تكون المسافة عائقا أمام الخبر.


عندما يصبح البعيد قريبا
تخيل أن خبرا عن حريق بدأ بالانتشار، بينما لا تزال فرق الإعلام تحاول الوصول إلى المنطقة.
الصورة الفضائية قد تمنح غرفة الأخبار نظرة أوسع إلى المكان، وتساعد في متابعة امتداد الحريق أو مقارنة الوضع بصور سابقة.


وفي حالة الفيضانات، يمكن للصور والبيانات أن تكشف المساحات التي غمرتها المياه والتغيرات التي طرأت على المنطقة.
وفي المدن، يمكن متابعة التوسع العمراني وتغير استخدامات الأراضي.
وفي الطرق، يمكن أن تساعد البيانات المكانية في فهم التغيرات التي تطرأ على شبكة الحركة أو المناطق المحيطة بها.
وحتى في بعض الأحداث التي تشهد تجمعات كبيرة أو إغلاقًا للطرق، يمكن للبيانات والصور المكانية أن تمنح الصحفي تصورا أوسع للمشهد، خصوصا عندما يصعب الحصول على صورة ميدانية شاملة.
لكن هنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة: الصورة لا تصنع الخبر وحدها.
هي قد تكون البداية، لا النهاية.
قد تقول للصحفي: هناك تغير حدث هنا.
أما الصحفي فيبدأ بعدها بالسؤال: ماذا حدث؟ ومتى؟ ولماذا؟ ومن تأثر به؟

من صورة إلى قصة
ربما تكمن قيمة الاستشعار عن بعد بالنسبة للإعلام في أنه لا يقدم صورة جميلة من الأعلى فحسب، بل يفتح أمام الصحفي إمكانية قراءة التغير.
صورة اليوم يمكن مقارنتها بصورة سابقة.
ومن خلال هذه المقارنة قد يظهر ما لم يكن واضحا في اللحظة الأولى: مساحة مائية تقلصت، غطاء نباتي تراجع، منطقة عمرانية اتسعت، أو موقع تغيرت ملامحه.
وهنا تتحول البيانات إلى مادة صحفية.
فالرقم وحده لا يحكي شيئا للناس.
إذا قلنا إن مساحة ما تراجعت بنسبة معينة، يبقى السؤال: ماذا يعني ذلك؟


أما عندما نعرف أن هذا التراجع انعكس على سكان منطقة، أو على مورد مائي، أو على بيئة، أو على موقع أثري، فإن الرقم يبدأ في اكتساب معنى.
وهنا يأتي دور الصحفي: أن يمنح البيانات حياة.
أن يحول الخريطة إلى قصة، والرقم إلى سؤال، والتغير المكاني إلى قضية يفهمها الجمهور.
في زمن الصورة السريعة.. من يتحقق أولا؟
ربما لم تكن الصحافة في أي وقت مضى أمام هذا الكم الهائل من الصور والمقاطع والمعلومات كما هي اليوم.
صورة تنتشر خلال دقائق، ومقطع يعاد نشره آلاف المرات، ومعلومة تتقدم بسرعة تفوق أحيانا قدرة المؤسسات الإعلامية على التحقق منها.


وقد تكون المشكلة في الصورة نفسها: متى التقطت؟ أين؟ وهل تخص الحدث الذي تنسب إليه فعلا؟
هنا يمكن للاستشعار عن بعد أن يدخل إلى واحدة من أهم مهام الصحافة الحديثة: التحقق.
فمقارنة الصور الفضائية مع الصور المتداولة، والنظر إلى التغيرات التي طرأت على المكان عبر الزمن، والاستعانة بالبيانات المكانية، يمكن أن يساعد الصحفي في اختبار بعض الادعاءات قبل تقديمها للجمهور.
لكن التكنولوجيا لا تمنح الصحفي حصانة من الخطأ.
بل على العكس، كلما اتسعت أدواته، ازدادت مسؤوليته في استخدامها بحذر.
فالصحافة لا تقول: «هذه صورة إذن هذه هي الحقيقة».
بل تسأل:
من أين جاءت؟ متى التقطت؟ ماذا تظهر؟ وما الذي لا تظهره؟
حين تصبح السنوات جزءا من الخبر
هناك قصص لا تحدث في يوم واحد.
الماء لا يتراجع في لحظة، والمدينة لا تتوسع في يوم، والبيئة لا تتغير بين ليلة وضحاها.


ولهذا تمنح الصور المتتابعة عبر الزمن الصحفي فرصة للعودة إلى الوراء، ومشاهدة المكان وهو يتغير.
وهنا يمكن أن يتحول الخبر العابر إلى قصة أعمق.
بدل أن نقول: «هذه المنطقة تغيرت»، يمكن أن نسأل:
متى بدأ التغير؟
ثم:
ما الذي سببه؟
ثم السؤال الأهم:
هل كان يمكن اكتشافه قبل أن يصبح مشكلة؟
عند هذه النقطة تقترب الصحافة من الاستقصاء.
فالصحفي لم يعد يلاحق حدثا وقع اليوم فقط، وإنما يحاول أن يفهم سيرة المكان، وأن يضع الحاضر بجوار الماضي، ويبحث عن الأسباب والنتائج.
ولكن.. أين الإنسان؟
قد تبدو هذه التكنولوجيا قادرة على رؤية أشياء كثيرة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإنسان.
القمر الصناعي يستطيع أن يرى تغيرا في المياه، لكنه لا يسمع صيادا يخبره كيف تغيرت حياته.
وقد يرصد امتداد العمران، لكنه لا يستطيع أن يسأل ساكنا عن أثر هذا التوسع على يومه.
وقد يكشف مساحة متضررة من حريق، لكنه لا يستطيع أن ينقل خوف الناس الذين كانوا في المكان.
وهنا تبقى الصحافة وفية لجوهرها.
إنسان يسأل، ومصدر يجيب، وميدان يكشف، ووثيقة تثبت، وتقنية تساعد على رؤية الصورة الأوسع.
لذلك فإن توظيف الاستشعار عن بعد في الإعلام لا يعني استبدال المراسل بالكاميرا الفضائية، ولا تحويل الصحفي إلى خبير خرائط.
إنه يعني ببساطة أن يمتلك الصحفي أداة إضافية تساعده على الاقتراب من الحقيقة عندما تكون المسافة عائقا، وعلى رؤية التغير عندما لا تكفي الصورة العابرة.


من السماء إلى غرفة الأخبار
ربما يكون أجمل ما في هذه العلاقة الجديدة أن السماء أصبحت، بطريقة ما، جزءا من المشهد الصحفي.
ليس لأن الأقمار الصناعية ستكتب الأخبار بدلا من الصحفيين، وإنما لأنها تستطيع أن تمنحهم شيئا ثمينا: زاوية أخرى للرؤية.
زاوية ترى المكان من الأعلى، وتقارن بين الأمس واليوم، وتلتقط تغيرا قد لا تراه العين من الأرض.
لكن الصورة، مهما كانت دقيقة، تحتاج إلى عقل يسأل عنها.
والبيانات، مهما كانت غزيرة، تحتاج إلى صحفي يعرف كيف يقرأ معناها.


وفي النهاية، لا قيمة لكل هذه الأدوات إذا لم تصل إلى قصة تمس الإنسان وتساعد الجمهور على فهم ما يحدث حوله.
لذلك ربما لا يكون السؤال في الصحافة الجديدة: هل تستطيع التكنولوجيا أن تحل محل الصحفي؟
السؤال الأجدى هو:
ماذا يستطيع الصحفي أن يفعل عندما يمتلك التكنولوجيا إلى جانب خبرته وحسه المهني؟
عندها يصبح الاستشعار عن بعد أكثر من تقنية لرؤية الأرض من بعيد.


يصبح وسيلة للاقتراب من خبر قد يصعب الوصول إليه، وأداة للمقارنة والتحقق، وبابا لأسئلة جديدة، وربما بداية لقصة لم تكن لتولد بالطريقة نفسها لولا تلك الصورة القادمة من الفضاء.
فالصحفي قد لا يستطيع دائما أن يصل إلى كل مكان…
لكن مهمته أن يجد الطريق الذي يقوده إلى الحقيقة.
وأحيانا، يبدأ ذلك الطريق بصورة التقطت من بعيد جدا، ثم تنتهي الحكاية حيث يجب أن تنتهي كل حكاية صحفية حقيقية:
على الأرض.. وبين الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى