بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن هناك قضيتان خطيرتان وأمران مهمان يشغلان بال جميع الناس ليلا ونهارا، ألا وهما قضية الرزق وقضية الأجل، فإن همّ الرزق قد أكل قلوب الخلق، وسيطر على عقولهم، وعطلوا من أجله ما كلفوا به، وهم قد كفوه، وإنشغال الإنسان أو نسيانه لقضية الأجل يجعله في هم ونكد وضيق، فحب الدنيا لا يكون إلا حبا في ملذاتها وشهواتها، وهذه تحتاج إلى مال، والمال يحتاج إلى جمع وتحصيل وكدح، وكلما كان مال الإنسان أكثر كان إستمتاعه بالملذات أكثر، وكان حبه للدنيا أقوى وأمكن، وحينئذ يتنافس الناس على الدنيا، ويعطلون الفرائض من أجلها، ويرتكبون المحرماتِ في سبيلها، وكراهية الموت ما كانت إلا بسبب ضعف الإيمان في مسألة الأجل، ومن ثم يتولى الإنسان حفظ نفسه من الموت بالإبتعاد عن مظانه، ولو كان في سبيل الله تعالى وهو ميت لا محالة.
ولقد أخبرنا القرآن الكريم عن حقيقة النفس الإنسانية وكشف لنا عن خفاياها وخباياها في آيات كثيرة منها قوله تعالى ” إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا” وقوله تعالى ” وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا” ولهذا، فإن منهج عقيدة التوحيد في بناء النفس الإنسانية يقوم على تعريف الإنسان بحقيقة نفسه وطبيعتها وماهيتها، ثم بالإجابة على الأسئلة الكبرى الملحة عندها والتي تجعلها تعيش في قلق وحيرة تجاهها، وهي من الذي أوجدني؟ وما هي الغاية التي لأجلها وجدت في هذا الكون؟ وإلى أين المصير وما هي النهاية؟ وحين تظفر هذه النفس بالجواب الصحيح على تلك الأسئلة الملحة يتضح للإنسان تصوره لنفسه، وللحياة وللكون من حوله، وتترسم له معالم الطريق الذي يجب أن يسلكه ويسير فيه بجلاء بيّن.
فتهدأ نفسه وتطمئن، وتعيش في سكينة واستقرار بعيدا عن الحيرة القاتلة، كما تعمل عقيدة التوحيد على تزكية النفس وتطهيرها من كل ما يشوبها ويفسدها، فقد قال تعالى فى كتابه ” ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها” وإن للنفس التي عرفت التوحيد والإيمان، سمات وخصائص تميزها، منها هو الأمن والاطمئنان، فالنفس التي أشرق في عمقها نور الإيمان واستقرت في سويدائها حقيقة التوحيد تكون آمنة مطمئنة، لقوله تعالى فى سورة الأنعام ” الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون” وكذلك الرضا والثبات، فإن النفس المؤمنة نفس راضية عن ربها في كل الأحوال والظروف، لذلك استحقت رضا الله عنها، فقال تعالى فى سورة البينه ” رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه” وهذه النفس هي ثابتة مستقيمة.
تسير على خط واحد في اليسر والعسر، شاكرة في السراء وصابرة في الضراء، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ” عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لإحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له” رواه مسلم، وإن من عوامل بناء الحضارات هو الهداية والتوفيق، حيث إن النفس التي تسلك صراط الله المستقيم تنال الهداية والتوفيق الإلهي، والحماية والحفظ من كيد الشيطان وشركه، فقد قال الله تعالى فى كتابه العزيز” قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم” أما البناء السلوكي، فلقد دلت الأبحاث في ميدان التربية، أن صلاح سلوك الإنسان يتناسب مع مدى سلامة أفكاره ومعتقداته، وأن انحراف سلوكه راجع إلى فساد أفكاره ومعتقداته.
وبذلك يكون السلوك الإنسانى ترجمة لما يؤمن به هذا الإنسان ويعتقده، ولا شيء أقدر على تقويم سلوك الإنسان وضبطه مثل العقيدة الإسلامية، ذلك لما لهذه العقيدة من سلطان على سلوكه وتصرفاته نابع من داخل الإنسان نفسه، يحمله على التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسنها، ويجنبه سيئها وفاسدها.

