جنائز الوفاء وطبول الفناء.. شرق أوسطي معلق على مشارف المجهول

كتبت /منى منصور السيد
تقف الجغرافيا العربية اليوم على أرض تهتز تحت وطأة تحولات كبرى، حيث يمتزج صمت الفراق بضجيج السلاح في مشهد تراجيدي فريد يختزل صراع البقاء والنفوذ. ففي الدوحة، يلف الحزن والوقار أرجاء دولة قطر برحيل أميرها الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ليرسم وداعه لوحة إنسانية
ودبلوماسية تجاوزت حدود البروتوكولات التقليدية؛ إذ تلاقت المواقف في لفتات دافئة كان أبرزها حضور السيدة لطيفة الدروبي، عقيلة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، لتقديم واجب العزاء للشيخة موزا بنت ناصر، في مشهد يجسد كيف يمكن للواجب الإنساني والاجتماعي أن يسمو، ولو مؤقتاً، فوق غبار السياسة الإقليمية المعقدة.
غير أن هذا الوقار الجنائزي المهيب لم يكن كافياً لتهدئة روع البحار التي تضطرم ناراً؛ إذ تعلو في مياه الخليج طبول حرب عاتية لا ترحم. فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن اكتمال الموجة الثانية من ضرباتها الجوية المركزة، مستهدفة مواقع حيوية في عمق الأراضي والجزر الإيرانية، وعلى رأسها جزيرة “طنب الكبرى”. ولم يقف الأمر عند حدود القصف الجوي، بل أحكمت واشنطن طوق حصار بحري صارم على الموانئ الإيرانية، لتدفع بمضيق هرمز الاستراتيجي إلى ذروة التشنج، واضعة حركة الملاحة العالمية وسلاسل إمداد الطاقة الدولية في مهب عاصفة من الترقب والذعر الاقتصادي.
وفي غمرة هذا الضغط العسكري الخانق، سارعت طهران إلى الرد مستخدمةً أوراقها الميدانية عبر ما أسمته “عملية الصاعقة”، حيث كشف جيشها عن توجيه ضربات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع في الكويت والبحرين. هذا التصعيد المتسارع لا ينذر فقط باتساع رقعة الرماد لتطال جيراناً آخرين، بل بدأ يكشف في كواليسه عن تصدعات صامتة وشروخ في جبهة الحلفاء؛ إذ تتبدى بوضوح ملامح تباين تدريجي في الرؤى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يميل غريزياً نحو إبقاء الباب موارباً لعقد صفقة استراتيجية كبرى تنهي الصراع وتضمن مصالحه، وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يبدي تشككاً مطلقاً في جدوى أي مهادنة مع القيادة الإيرانية. هكذا يبدو المشهد اليوم؛ لوحة سريالية معلقة بين حشرجة المدافع ومناورات الساسة، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام من إعادة رسم كاملة لخارطة النفوذ في المنطقة.



