التعليم المجاني بين مقصلة الاستثمار وتعميق الطبقية

بقلم: اشرف رضا
يقف النظام التعليمي في مصر اليوم عند نقطة تحول هي الأخطر في تاريخه الحديث ، نقطة التحول والانتقال العلني التدريجي من مفهوم التعليم كحق لكل مواطن تكفله الدولة في مراحله المختلفة ، إلى التعليم كاستثمار تجاري وخدمة مدفوعة ، حتى بات كثير من المصريين ينظرون إلى “مجانية التعليم” باعتبارها عبارة شكلية أكثر منها واقعًا معاشًا.
هذه الفجوة وهذا التحول لم يعد حكرًا على أحاديث المواطنين أو مجرد تكهنات أو مخاوف أو انطباعات عابرة يتداولها الشارع ، بل أصبح فلسفة حُكم صريحة تُعلن في المناسبات الرسمية، وتترجمها السياسات الاقتصادية والتشريعية في قطاع التعليم العالي والجامعي .
فقد جاءت الخطابات والتصريحات الرئاسية ، للرئيس عبد الفتاح السيسي ، لتضع اطاراً رسمياً لهذا النهج الجديد ، فالبداية كانت الدعوات المتكررة لإعادة النظر في فلسفة الدعم، وصولاً إلى التصريح المباشر بأن “التعليم الجيد يكلف، والمجانية بحالتها الحالية تخرج أجيالاً غير قادرة على المنافسة.
وفي تصريحات سابقة تناولت انتقادات الرأي العام لأوضاع التعليم، أشار الرئيس إلى أن واضعي الدستور نصّوا على أن التعليم مجاني وللجميع، في سياق بدا وكأنه يفصل بين النص الدستوري وبين قدرة الدولة الفعلية على الالتزام به.
كما سبق أن تحدث، في معرض حديثه عن تمويل قطاع التعليم، وعن ضيق الموارد المالية المتاحة للإنفاق عليه.
مثل هذه التصريحات وإن جاءت في سياقات مختلفة ، أوضحت رؤية السلطة للنظام التعليمي ، وغذّت شعورًا واسعًا لدى كثير من المصريين بأن الدولة تتراجع تدريجيًا عن التزامها الدستوري.
وقد انتقد بعض الصحفيين والمراقبين هذا التوجه والتحول، معتبرين أن التوسع في إنشاء الجامعات أصبح جزءًا من مشروعات التوسع العمراني والاستثماري أكثر من كونه استجابة لحاجة تعليمية حقيقية أو سعيًا لتحسين جودة التعليم ذاته .
ففي البداية يتم تصوير مجانية التعليم كعبء على خزانة الدولة، وليست استثماراً في الرأس المال البشري.
ثم ربط الجودة بالقدرة المالية ، بترويج فكرة مفادها أن الحصول على تعليم متميز يتطلب بالضرورة دفع مقابل مادي مرتفع، مما يرفع يد الدولة عن تطوير التعليم العام المتاح للغالبية العظمى من المواطنين.
ثم نقل المسؤولية على المواطن وتحميله تكلفة الفشل المتراكم في إدارة الملف التعليمي، والمطالبة بـ “مشاركة المجتمع” في التمويل ، وانتقال عبء تمويل التعليم من الدولة إلى الأسرة المصرية .
ثم يأتي التمدد السرطاني للتعليم الخصخصي، و ياليت يتوقف الأمر عند حدود الجامعات الخاصة التقليدية التي كانت تخدم طبقة أصلها ميسور، بل سيتسع نطاق تسليع التعليم ليتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً هي :
أولاً تفريغ الجامعات الحكومية المجانية من مضمونها ، فقد شهدت الجامعات الحكومية المجانية تراجعاً كبيراً في الميزانيات المخصصة للبحث العلمي وللبنية التحتية، مقابل التوسع في إنشاء “البرامج الخاصة بمصروفات” داخل الكليات الحكومية نفسها ، ما أدى إلى خلق طبقتين داخل الكلية الواحدة ، طبقة تدفع لتحصل على معامل وخدمات أفضل، وطبقة المجانية التي تعاني من التكدس وضعف الإمكانيات .
ثانياً الإيحاء والإيهام بأن الجامعات الأهلية غير هادفة للربح، لكن واقعها المالي يضعها في خانة التعليم الاستثماري بدائلَ للطبقة المتوسطة ، لتصبح هذه الجامعات منفذاً لمن يملك القدرة المالية لتجاوز الحد الأدنى لمجموع الثانوية العامة، مما ضرب مبدأ “كفاءة الاستحقاق الأكاديمي” لحساب من يملك القدرة المالية .
ثالثاً تحويل الخدمة إلى سلعة واستثمار بهدف امتصاص الفائض المالي لدى الأسر، عوضاً عن تقديم رؤية شاملة لتطوير سوق العمل وبناء مجتمع المعرفة.
وينتج من تلك الأشكال تداعيات اجتماعية واقتصادية ، تجرف الطبقة المتوسطة وتعمق الطبقية .
إعدام الأداة الوحيدة للفقراء والتخلي التدريجي عن مجانية التعليم ، ما يترتب عليه آثار كارثية تمس بنية المجتمع المصري ، منها على سبيل المثال :
إغلاق الأبواب أمام الكفاءات غير القادرة مالياً، وحصر الوظائف العليا والمتميزة والمرموقة لأصحاب النفوذ المالي .
إرهاق كاهل الأسرة التي باتت تقتطع من قوت يومها الأساسي أو تتورط في الديون لتغطية تكاليف الدروس الخصوصية والرسوم الجامعية المتصاعدة .
تكريس الطبقية التعليمية بتشريح التعليم إلى شرائح التعليم الخاص والأهلي والدولي ، الذي يمنح أدوات العصر لمن يدفع، وتعليم مجاني متهالك يُبقي أبناء الفقراء في دائرة التهميش ، ما يهدد بترسيخ فجوة طبقية تتوارثها الأجيال ، فأبناء الأسر الميسورة يحصلون على تعليم في مدارس دولية وجامعات خاصة بمناهج متطورة وفرص عمل أفضل، بينما يبقى أبناء الأسر محدودة الدخل رهن منظومة حكومية تعاني نقص التمويل والاكتظاظ وتراجع مستوى الخريجين .
فى النهاية ، إذا اعتبرنا إن التوسع في الجامعات الخاصة والأهلية ليس تخليًا عن مجانية التعليم، بل استثمار موازٍ يهدف إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي، وتوفير موارد إضافية لا تتحملها الموازنة العامة وحدها، دون أن يمسّ ذلك بالتزام الدولة تجاه التعليم الحكومي المجاني ، تبقى الحقيقة الأقرب للمواطن المصري هي تجربته اليومية من مصروفات تتصاعد، ودروس خصوصية لا غنى عنها، وفجوة متسعة بين من يملك ومن لا يملك.
وسواء وُصف هذا المسار بأنه إصلاح ضروري ، أو تفريط في حق دستوري ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ، هل يمكن أن يظل التعليم في مصر “حقًا للجميع” في ظل واقع يجعل جودته مرهونة بالقدرة على الدفع؟
فالرسالة التى لابد أن تصل لأصحاب القرار:
إن التعليم ليس مشروعاً استثمارياً يهدف إلي تغطية التكاليف أو تحقيق الأرباح ، وإن إصلاحه لا يمكن أن يتحقق عبر الالتفاف على الدستور وإلغاء مجانية التعليم بطرق غير مباشرة، بل عبر رفع الإنفاق الفعال وربط المناهج بسوق العمل.
التعليم المجاني هو التزام أصيل على الدولة ، وليس منة تُباع لمن يملك الثمن ، وليس عبئاً يُتخلص منه، بل هو الركيزة الأولى للأمن القومي والتنمية المستدامة، فالرؤية النقدية للمشهد الراهن تؤكد أن التفريط في مجانية التعليم لحساب الجامعات الخاصة والأهلية لا يحل أزمة جودة التعليم، بل يفاقم الأزمة الاجتماعية.
المطلوب هو إعادة الاعتبار للجامعات الحكومية والمجانية الحقيقية عبر زيادة الإنفاق الحكومي الفعال، وربط المناهج بالتنمية.
توفير موارد إضافية لا تتحملها الموازنة العامة وحدها، تعمل على الإصلاحات التعليمية، لكي يظل التعليم في مصر “حقًا للجميع” في ظل واقع يجعل جودته مرهونة بالقدرة على الدفع .



