مقال

ثلاث سنوات على الغياب لكن أمي لا تغيب


كتبت / منى منصور السيد
في مثل هذا اليوم، 17 فبراير، توقفت ساعة الزمن في عيني، ورحلت عن عالمي تلك اليد الحانية التي كانت تربت على كتفي كلما تعثرت بي خطوات الحياة. اليوم تمر الذكرى الثالثة لرحيل أمي، لكنها لم تكن يوماً مجرد “أم”؛ كانت هي البصيرة التي أرى بها، والعزيمة التي أتحرك بها، والإيمان الذي لم يتزعزع يوماً في قدرتي على قهر المستحيل.


منذ طفولتي في عام 1976، ومروراً بإصابتي بشلل الأطفال في سن الثالثة، لم تكن أمي تنظر إلى “جهازي الحديدي” أو “كرسيّ المتحرك”، بل كانت تنظر دائماً إلى “عقلي وموهبتي”. هي من علمتني أن الفن في الرسم، والدقة في التطريز، والصبر في الكروشيه، هي أسلحة لا تُهزم. هي من آمنت بطفلتها السادسة وهي ترى في عينيها ذكاءً وقوة، فساندتني حتى تخرجت في كلية الآداب عام 1999، ووقفت بجانبي حين رحل والدي “سندي” لتكون هي السند والوتد.


حتى حين عصفت بي الحوادث القاسية في 2007 و2016، وحين تقيدت حركتي بالكرسي المتحرك، لم تترك أمي اليأس يتسلل إلى محرابي. كانت دعواتها هي الوقود الذي جعلني أحصل على دبلومات التسويق، وأدخل عالم الإذاعة، وأشارك في معرض “تراثنا” لأربع سنوات، وأحصد المراكز الأولى في الأبحاث العلمية التي تخدم ذوي الهمم.


لقد رحلتِ يا أمي جسداً في عام 2023، لكنكِ تركتِ خلفكِ “منى” التي صنعتِها بيدكِ.. امرأة لا تعرف الاستسلام. رحلتِ بعد أن رأيتِ ثمار غرسكِ نجاحاً وتحدياً وعلماً، وبعد أن شهد العالم كله على قوتنا سوياً. في ذكراكِ الثالثة، لا أرثيكِ بكلمات الحزن، بل أرفع رأسي إليكِ بكل فخر. أنا اليوم ما أنا عليه بفضل الله ثم بفضلكِ. إن التحدي الذي بدأناه سوياً لا يزال مستمراً، فكل حرف أكتبه، وكل جائزة أحصدها، هو “هدية” لروحكِ التي تسكنني.


اللهم في ذكرى وفاتها، اجعل أمي في أعلى عليين، وآنس وحشتها، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجمعني بها في مستقر رحمتك.. الفاتحة على روحها الطاهرة.
إليكِ يا سندي
ثلاثٌ مَضَتْ والقلبُ يَمْلَؤُه الصَّبْرُ … وفي مُهْجَتِي شَوْقٌ كَمَا يَنْبُتُ الزَّهْرُ


رَحَلْتِ وفي كَفَّيَّ نَقْشُ عَزِيمَةٍ … كأنَّكِ أَوْدَعْتِ الحَيَاةَ لِمَنْ يَقْرُو
أيا أُمَّ مَنَى.. كنتِ عَيناً لِطِفْلَةٍ … حَبَتْ فَوْقَ أشواكٍ فَمَا مَسَّها ضُرُّ
رَسَمْتِ طَرِيقي بِالأَمَانِ وبالرُّؤى … فصَارَ كفاحي صَرْخَةً صاغَها الفَخْرُ


على كُرْسِيِّي المَرْسُومِ مَجْداً وَرِفْعَةً … أَرَاكِ ضِيَاءً حِينَ يَغْشَانِيَ القَهْرُ
مَضَى الجَسَدُ الغَالِي وجاءَ بَقاؤُكِ … فَفي كلِّ نَصْرٍ لي.. بِتَعَبِكِ لِي ذِكْرُ
سَأَمْضِي ولنْ أَحْنِي لِعَصْفٍ جَبِينِي … وفَاءً لِمَنْ كَانَتْ بِمِحْرَابِيَ البَدْرُ

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *