بقلم/نشأت البسيوني
هناك ثقل خفي نحمله دون أن ننتبه يبدأ صغيراً ثم يكبر معنا يكبر مع كل خيبة صامتة وكل كلمة لم نستطع الرد عليها وكل خوف ابتلعناه كي لا نظهر ضعفاً وكل خطوة مشيناها ونحن نرتجف من الداخل حتى صرنا ننام ونحن نكتم تنهيدة طويلة لا يعرف أحد عنها شيئاً ولأن الحياة لا تمنحنا وقتاً لالتقاط أنفاسنا نجد أنفسنا نواصل السير وكأن شيئاً لم يحدث نضحك في مواجهة الوجع
ونتظاهر بالقوة ونحن نتآكل من الداخل نرتب يومنا كما لو أن الليل لم يسرق منا جزءاً آخر من القدرة على الاحتمال ومع مرور الأيام يعرف الإنسان أن الوجع لا يحتاج صراخاً كي يكون حقيقياً يكفي أن يترك في الروح فراغاً لا يملؤه أحد يكفي أن يجعل الخطوات ثقيلة والضحكات مجهدة والعيون تبحث عن شيء لا تعرف اسمه
لكن الغريب أن هذا الثقل نفسه هو ما يصنع منا أشخاصاً آخرين
أشخاصاً يعرفون قيمة أبسط اللحظات قيمة الهدوء قيمة كلمة صادقة قيمة يد تمتد دون طلب ويعرفون أن القوة ليست في الصمود أمام الناس بل في الصمود أمام أنفسنا حين نكون على وشك السقوط ولذلك يصبح الإنسان مطالباً بأن يخفف عن نفسه لا أن يقسو عليها أن يمنحها حق الاستراحة حق التعبير حق الضعف وحق البدء من جديد فالقلب ليس آلة والروح ليست خزائن مغلقة
والمشاعر لا تختفي بمجرد تجاهلها يصنع الإنسان سلامه بيده حين يعترف بثقله دون خجل حين يتعلم كيف يضع حزنه جانباً لا ليتجاهله بل ليمنحه مساحة آمنة كي يهدأ وعندها سيكتشف أن الأيام مهما قست لن تنتصر عليه طالما أنه ما زال قادراً على حمل نفسه والوقوف مرة أخرى ولو ببطء ولو على جرح قديم المهم أنه ينهض ولا يسمح للثقل أن يسحقه

