أخبار منوعة

تسهيل الإجراءات الصحية والاجتماعية لذوي الهمم وكبار السن: ضرورة اجتماعية وإنسانية

تسهيل الإجراءات الصحية والاجتماعية لذوي الهمم وكبار السن: ضرورة اجتماعية وإنسانية
كتب احمد اللبودي
إن النظرة المجتمعية إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وتحديداً ذوي الهمم (ذوي الاحتياجات الخاصة) وكبار السن، هي مقياس لمدى تحضر ورقيّ أي أمة. هذه الفئات، التي قدمت عبر مسيرتها إسهامات لا يمكن إنكارها، تستحق اليوم أن ينالوا رعاية شاملة تضمن كرامتهم وتسهل حصولهم على حقوقهم الأساسية، لا سيما تلك المتعلقة بالخدمات الصحية والمساعدات الاجتماعية. الرسالة الموجهة إلى السيد الأستاذ الدكتور/ سامح شاور، عضو مجلس النواب، التي تطلب توفير خدمة الكشف الطبي داخل المدن بدلاً من إلزام هذه الفئات بالسفر لإجراء مفوضات استخراج بطاقة الخدمات المتكاملة أو استصدار جوابات سيارات التيسير، تسلط الضوء على إشكالية بيروقراطية وإجرائية جسيمة تعيق وصول هذه الفئات إلى حقوقها. إن هذه الإشكالية تتطلب معالجة تشريعية وتنفيذية فورية تستند إلى مبادئ العدالة والتيسير.

تكمن المشكلة المحورية في التباعد الجغرافي بين أماكن إقامة ذوي الهمم وكبار السن ومراكز الفحص الطبي المعتمدة، التي غالبًا ما تكون مركزية في المحافظات الكبرى أو عواصم المديريات. بالنسبة لشخص يعاني من إعاقة حركية شديدة، يصبح السفر لمسافات طويلة، مع ما يتطلبه ذلك من ترتيبات لوجستية معقدة (نقل خاص، مرافقة، تكلفة باهظة)، عبئًا لا يمكن تحمله. هذا العبء لا يمثل مجرد صعوبة إدارية، بل هو انتهاك فعلي للحق في الحصول على الخدمات الأساسية، وهو ما كفلته التشريعات الوطنية والدولية التي تؤكد على ضرورة إزالة الحواجز أمام المشاركة الكاملة لهذه الفئات في المجتمع.

إن بطاقة الخدمات المتكاملة، على سبيل المثال، ليست مجرد وثيقة تعريفية، بل هي بوابة للحصول على مجموعة واسعة من المزايا التيسيرية، تشمل التوظيف المناسب، والإعفاءات الضريبية، والأهم من ذلك، الحصول على أجهزة مساعدة أو سيارات مجهزة. عندما يُجبر المستفيد على السفر لأغراض الكشف الطبي اللازم للحصول على هذه البطاقة، فإننا نضع عقبة مادية وصحية تمنعه من الاستفادة من المنظومة بأكملها. الواقع يشير إلى أن تكلفة السفر والإقامة قد تفوق في بعض الأحيان القيمة المتصورة للخدمة المرجوة، مما يدفع البعض إلى التنازل عن حقوقهم خوفًا من التكاليف والتعب.

بالتوازي مع تحديات بطاقة الخدمات المتكاملة، تبرز قضية تحويل معاش “كرامة” إلى التأمينات الاجتماعية، وهي قضية ترتبط بشريحة أخرى تحتاج إلى دعم مستدام. معاش “كرامة” يوفر شبكة أمان اجتماعي حيوية للعديد من الأسر الفقيرة وكبار السن الذين لا يمتلكون معاشات تأمينية. عملية تحويل هذه المعاشات إلى مظلة التأمينات الاجتماعية تستهدف في جوهرها تحقيق الاستدامة والشمولية المالية للفرد بعد بلوغه سنًا معينة أو استيفائه للشروط، مما يضمن استمرار الدعم دون انقطاع إجرائي. ومع ذلك، فإن الإجراءات المصاحبة لهذا التحويل غالبًا ما تتطلب زيارات متكررة للمكاتب الحكومية، وهو ما يشكل تحديًا إضافيًا للفئات التي ذكرناها.

لذلك، فإن الاستجابة الفعالة لهذا النداء البرلماني يجب أن ترتكز على محورين أساسيين: اللامركزية والتكامل الرقمي.

أولاً، اللامركزية في تقديم الخدمة الصحية. يجب على وزارة الصحة والتضامن الاجتماعي التنسيق لإطلاق قوافل طبية متنقلة أو إنشاء وحدات فحص مؤقتة داخل الوحدات الصحية الأولية في القرى والمراكز الصغيرة بشكل دوري ومجدول. هذا النموذج ليس مستحدثًا؛ فقد أثبت نجاحه في حملات الكشف المبكر عن الأمراض والانتخابات. تخصيص يوم في سنه في كل مستشفي حكومية لإجراء كشوفات في القرية اوالمدينة التابع لها المواطن بطاقة الخدمات المتكاملة أو تقييمات السيارات المخصصة لذوي الإعاقة سيقضي على الحاجة إلى السفر للمدن. هذا الإجراء يقلل من الضغط على المراكز الرئيسية ويعيد توجيه الخدمة نحو المواطن مباشرة، بما يتماشى مع مفهوم الحكومة الميسرة.

ثانياً، تفعيل التحول الرقمي في الإجراءات البيروقراطية. يجب استغلال التقدم التكنولوجي لتقليل الحاجة إلى الحضور المادي. على سبيل المثال، يمكن تطوير نظام إلكتروني متكامل يسمح بتقديم التقارير الطبية الموثقة من قبل الأطباء المتعاقدين أو المعتمدين في المناطق البعيدة (بصمات إلكترونية، صور معتمدة) كبديل أولي لبعض مراحل الكشف، مع إبقاء الفحص البدني الضروري فقط في أقرب نقطة خدمة ممكنة. هذا يقلل عدد الزيارات المطلوبة من ثلاث أو أربع زيارات إلى زيارة واحدة فقط لإتمام الإجراءات التي لا يمكن إتمامها إلكترونيًا.

فيما يتعلق بتحويل معاش “كرامة” للتأمينات الاجتماعية، يجب تبسيط ربط قواعد البيانات بين وزارتي التضامن والتأمينات. إذا كان المستفيد مؤهلاً بالفعل لمعاش “كرامة”، فإن البيانات الأساسية لإدراجه في مظلة التأمينات يجب أن تُنقل تلقائيًا بموافقته المسبقة عبر منصة موحدة، مما ينهي معاناة التنقل بين المكاتب الحكومية المختلفة. هذا التكامل يمثل قفزة نوعية في كفاءة الخدمة العامة.

إن توفير هذه التسهيلات ليس مجرد خدمة إضافية، بل هو التزام دستوري وأخلاقي. إنه استثمار في رأس المال البشري المتمثل في هؤلاء الأفراد، وضمان لاندماجهم الاقتصادي والاجتماعي. إن التيسير في الإجراءات يؤدي مباشرة إلى تمكين هذه الفئات من المساهمة الفعالة في نسيج المجتمع، مما يعود بالنفع الاقتصادي والاجتماعي على الدولة ككل. إن صوت هؤلاء المواطنين، المعبر عنه في هذه الرسالة، يمثل دعوة ملحة للتشريع والتنفيذ العادل.

[1] دستور جمهورية مصر العربية، الباب الثالث: الحقوق والحريات والواجبات، الفصل الخاص بالحقوق الاجتماعية.
[2] اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، صادق عليها جمهورية مصر العربية.
[3] وزارة التضامن الاجتماعي المصرية، اللائحة التنفيذية لقانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *