بقلم / محمـــد الدكـــروري
يقول الإمام القرطبي رحمه الله يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع، فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه، وكذلك فإنها أحب البلاد إلى الله ورسوله، وأنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام، وهذه خاصية لا يشاركها فيها شيء من البلاد، وهذه المسألة تلقاها الناس عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأنه لا يدخلها الدجال، وأنها مأرز الإيمان، أي أن الإيمان سيجتمع آخر الزمان في مكة والمدينة، وأن به أحد المساجد التي تشد الرحال إليها، ولقد أمر الله عز وجل الملائكة ببناء بيت الله الحرام أول مرة لآدم عليه السلام، ويقع بيت الله الحرام في مكة المكرمة في جزيرة العرب ويعدّ مركزا لها، وهو أول الحرمين الشريفين، وأبرز ما يضمه الكعبة المشرفة وهي شكل هندسي مكعب تقريبا، يبلغ ارتفاعها خمس عشرة مترا تقريبا وتقع في وسط الحرم.
أتمت الملائكة الكرام بناءها تنفيذا لأمر الله تعالى، وأمر أبو البشر آدم عليه السلام بعبادة الله تعالى فيها من أول وقت سُكنت فيه الأرض، ومن ثم جاء دور إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام فرفع قواعد البيت مجددا، بعد أن كانت قد هُدمت في الأرض بمرور الزمن، ولعله بفعل الطوفان يوم إغراق قوم نوح عليه السلام، ولقد حدّدت الشريعة الإسلامية حدود البيت الحرام في مكة المكرمة، وقد نصبت على هذه الحدود أعلام لتعلم السائل عنها، ويعتبر نهاية الحرم من جهة الشمال منطقة التنعيم، وهي بعيدة عن وسط الحرم بما يقارب ستة كيلو مترات، ونهاية الحرم من جهة الشرق منطقة الجعرانة، وهي بعيدة عن الحرم ستة عشر كيلو مترا، ونهاية الحرم من جهة الغرب منطقة الشميسي، وهي بعيدة عن الحرم خمسة عشر كيلو مترا، ونهاية الحرم من جهة الشمال الشرقي منطقة وادي نخلة، وتبعد عن الحرم أربعة عشر كيلو مترا، ونهاية الحرم من جهة الجنوب منطقة أضاه.
وتبعد عن الحرم اثنا عشر كيلو مترا تقريبا، وفى فضل بيت الله الحرام، قد ذكر الحنفية أن أعظم المساجد على وجه الأرض على الإطلاق هو المسجد الحرام، يليه المسجد النبوى، ويليه مسجد بيت المقدس، ثم سائر المساجد الأخرى، لكن المالكية رأوا الفضل للمسجد النبوي على المسجد الحرام أعظم، ثم يليهما مسجد بيت المقدس، لكن المؤكد الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المساجد الثلاثة ما ورد عنه في الحديث الصحيح، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس للعبادة والصلاة فيه على الأرض، وقد وردت عدة أقوال فيمن بنى المسجد الحرام، فقيل إن الملائكة قد بنوه ليطوفوا به تقربا لله تعالى بعد أن ظنوا أنهم قد عصوه حين قالوا إن البشر في الأرض قد يكونوا مفسدين، ومن الأقوال أن آدم عليه السلام هو المؤسس الأول لبيت الله الحرام، وقيل هو شيث بن آدم، وأما المؤكد من الأقوال بعد ذلك أن الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام.
هما من أعادا البناء في زمانهما بأمر من الله سبحانه، ورفعا قواعد البيت الحرام من جديد، وأعليا الكعبة المشرفة، وأذنا في البيت الحرام للناس لتحجه لوجه الله سبحانه، ويقع بيت الله الحرام في مكة المكرمة في الجزيرة العربية، مرتفعا عن سطح البحر ما يقارب ثلاثة مائة وثلاثون مترا، وقد نالت مكة المتحضنة للبيت الحرام العديد من الخصائص والفضائل فهي مكان ولادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبداية الدعوة ونزول الوحي وقعا فيها، وأما تاريخ البيت الحرام على وجه الخصوص فيذكر أنه مر بعدة مراحل من البناء تلت بناء الخليل له، حيث جدد العمالقة بناءه ثم قبيلة جرهم، ثم قصي بن كلاب، وتلته قريش في رعاية البيت وإعادة بنائه، ولقد تعرضت الكعبة المشرفة لمحاولة هدم قبيل الإسلام في سنة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حين أتى مكة أبرهة الأشرم مع جيش من الفيلة محاولا هدم الكعبة، فرماه الله سبحانه بحجارة سجيل كانت بمناقير طيور الأبابيل.
التي تحدث عنها القرآن الكريم، فكانت نهاية الجيش المعتدي، وإن من الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة في البيت الحرام تعدل مئة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وذلك سواء كانت الصلاة فريضة أم نافلة عند بعض العلماء، وورد عن آخرين أن مضاعفة الأجر لصلاة الفريضة فقط، ولبيت الله الحرام منزلة عظيمة عند المسلمين فهو قبلتهم التي يتوجهون إليها في صلواتهم من جميع أنحاء الأرض، وقد سُمى المسجد الحرام في مكة المكرمة بهذا الاسم لأن الله سبحانه وتعالى حرّمها إلى يوم القيامة فلا يجوز القتال فيها، ولا قطع شجرها، ولا التقاط لقطتها إلا من عرفها، ولا عضد شوكها، ولا يجوز أن ينفر صيدها، فقد جاء في رواية الصحابي الجليل عبد الله بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكه “لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا” وقال يوم فتح مكة.
” إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمه الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يُلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه، فقال العباس يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، قال إلا الإذخر.


