بقلم: هالة عكاشة
في دهاليز العمل العام وأروقة السياسة، لا تُصنع القرارات بالأوراق والأقلام فحسب، بل تُصاغ بكاريزما القائد ومنهجه النفسي في الإدارة. وحين نتأمل النماذج القيادية الناجحة، نجد أننا أمام مدرستين مختلفتين في الظاهر، لكنهما متكاملتان في الجوهر؛ مدرسة “القيادة الإنسانية” ومدرسة “رجل الدولة الرصين”.
مدرسة الاحتواء: القائد بقلب إنسان
تبرز الشخصية الأولى كنموذج للقائد الذي يكسر الجمود بابتسامة دافئة وصادقة تعكس ذكاءً عاطفياً حاداً. هذا النمط يؤمن أن الطريق إلى عقل المواطن يمر عبر قلبه، وهو ما يذكرنا بمقولة الكاتبة مايا أنجيلو: «سوف ينسى الناس ما قلته، وسوف ينسون ما فعلته، لكنهم لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون».
يتميز هذا القائد بالقدرة على امتصاص الأزمات وتحويل بيئة العمل المتوترة إلى فضاء من الألفة والتعاون. تعكس ملامحه مرونة ذهنية وقدرة عالية على التواصل الإنساني الفعال، مؤكداً أن القيادة ليست مجرد إصدار أوامر، بل هي فن كسب الثقة وبناء الجسور.
مدرسة الانضباط: هيبة الدولة ونظام المؤسسة
على الضفة الأخرى، نجد نمط “رجل الدولة” الذي يجسد الوقار الكلاسيكي والرصانة المؤسسية. هنا، لا مكان للصدفة؛ فكل نظرة مدروسة، وكل قرار يوزن بميزان من ذهب. تعتمد هذه الشخصية على “الهيبة” كأداة للضبط والربط، وتمتاز بثبات انفعالي يجعلها قادرة على قيادة السفينة وسط الأمواج المتلاطمة دون اضطراب.
هذا النموذج يطبق بعمق فلسفة أرسطو: «من لا يستطيع أن يكون تابعاً جيداً، لا يمكن أن يكون قائداً جيداً»؛ حيث يقدس النظام والأصول الكلاسيكية، معتبراً أن استقرار المؤسسات يبدأ من انضباط قيادتها والتزامها بالقيم التي صمدت عبر الزمن.
صراع الأنماط أم تكامل الأدوار؟
إن المقارنة بين هذين النمطين تكشف لنا حقيقة سياسية هامة: الكيان الذي يُدار بـ “الود” وحده قد يفتقر للحزم، والذي يُدار بـ “النظام” وحده قد يفتقر للروح. وكما يقول الخبير القيادي جون ماكسويل: «القائد هو الذي يعرف الطريق، ويمضي في الطريق، ويظهر الطريق للآخرين».
فالنمط الأول يظهر الطريق بالحب والتحفيز، بينما يظهره النمط الثاني بالانضباط والقدوة، والاثنان يسعيان لذات الهدف وإن اختلفت الوسائل والأساليب.
رسالة إلى كل عامل في الحقل السياسي
إن العمل السياسي في جوهره هو فن إدارة التوازنات، والنجاح فيه لا يتطلب الانحياز لنمط دون آخر، بل يتطلب القدرة على الدمج الذكي بينهما.
إلى كل من يتصدى للمسؤولية العامة: تذكر مقولة نيلسون مانديلا: «القيادة من الخلف وترك الآخرين يعتقدون أنهم في المقدمة»، واجمع معها صرامة القانون وهيبة المنصب. إن السياسي الناجح هو من يمتلك ابتسامة تزرع الطمأنينة في نفوس شعبه، ويمتلك في الوقت ذاته وقاراً يحمي هيبة المؤسسات.
فاللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، هما جناحا القيادة اللذان لا غنى لأحدهما عن الآخر. اجعل من سيرتك مزيجاً يجمع بين كسب القلوب وإرساء العدل، فبذلك وحده تُبنى الدول وتُخلد المسيرات