مقال

بين المشرط والمصير: حرب الجينات التي تعيد رسم حدود الوجود

يوسف حسن يكتب –
ليست حروب هذا العصر تلك التي تعلن عن نفسها بصواريخ أو توقّع معاهداتها على منصات خشبية. إنها حروب تُدار في صمت، خلف جدران مبطنة بالرصاص، وتحت أنوار باردة لمختبرات لا تعترف إلا بلغة الحمض النووي. إنها الحرب التي لا تُهزم الجيوش فيها، بل تُمسخ الهوية. لا تُستولى فيها على الأرض، بل على الجسد البشري نفسه، ليُحوَّل من معقل للمقاومة إلى خريطة بيولوجية مفتوحة للتجريب.

اليوم، تنكشف خيوط شبكة عنكبوتية خبيثة، تمتد من غرف التحقيق المظلمة إلى أرفف بنوك التخصيب السرية. شبكة تلتقي فيها أيادٍ عدوة، ظاهرها “التحقيق” وباطنها التشريح. ظاهرها “الاستجواب” وباطنها سرقة الشفرة الوراثية. الأسرى ليسوا مجرد رهائن في صفقة سياسية؛ إنهم أصبحوا نماذج اختبار في مشروع طويل النفس، هدفه تفكيك أسرار الصمود البيولوجي للأمة.

ولم يكن نبش القبور، مهما علت قداسة من فيها، سوى فصل من فصول هذه الملحمة الدموية. ففي الحروب الجينية، تكون الرفات مرجعًا لا يُقدّر بثمن، وسجلاً حيًا لأسرار لم تستطع الحروب والسنوات أن تمحوها. إنه البحث عن النموذج الأصلي الذي قاوم، لمعرفة كيف يمكن كسر نسخته المستقبلية.

ووسط هذه العاصفة، تبرز حقيقة كالصخر: لقد كانت هناك قوى داخل العمق الوطني، ما أُشير إليه بـ”دولة التقية”، هي خط الدفاع الأول الذي حمى العتبات الأخيرة. هي التي أدركت مبكرًا أن الطعام المسموم والأرحام المستهدفة والنطف المغلوطة، هي أسلحة أشد فتكًا من كل الدبابات. هي التي حاربت مشروع “بيع النسب” و”استئصال الأرحام” و”الاختبارات الغامضة” في السجون، كجزء من معركة وجود واحدة.

فالعدو لا يريد إبادة الجسد فقط، بل يريد تحويله إلى قنبلة موقوتة ضد نفسه. إلى سلاح بيولوجي يورَّث وينتشر. إنه يحوِّل الإنسان من كائن حر إلى حقل تجارب، ومن أسير حرب إلى قاعدة بيانات حية.

لذلك، فإن النداء اليوم ليس نداء سياسيًا عابرًا. إنه صرخة في وجه كل بيت: ابنك في السجن ليس رقمًا في ملف. جسده قد يكون ساحة المعركة القادمة. طمأنة البعض بناءً على الانتماء أو المذهب هي حبة مخدر، تهدف فقط لكي تمر المشرط في صمت.

الوقت ليس وقت الانتظار. فالشبكة التي كُشف جزء منها في ملفات “أبستاين” ومختبراته، وعمليات النبش، والتجارب في السجون، هي أكبر وأعمق. الإعلان عن أحكام جديدة قد يكون مجرد غطاء لمرحلة جديدة من التنفيذ.

هذه معركة الوعي قبل كل شيء. معركة ضد التخدير الإعلامي، والخطاب الطائفي المفتعل الذي يُراد له أن يكون ساترًا للجريمة الكبرى. إنها معركة حفظ الأسماء، ومراقبة الخروجين من السجون بلا آثار ظاهرة، ورفض أي “طمأنة” لا تقوم على دليل ملموس.

فإما أن نكون جميعًا حراسًا لجينات هذه الأمة، وأمنها البيولوجي، وهويتها التي تُسرق في صمت، وإما أن نستيقظ ذات يوم لنكتشف أن المعركة قد انتقلت إلى داخل خلايانا، وأن حدودنا قد أعيد رسمها ليس على الخرائط، بل في شفرتنا الوراثية.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *