قراءة في مغالطة الخلط بين الفعل الإجرامي والاعتقاد العقدي
بقلم: المفكر والأديب د/ كامل عبد القوى النحاس
تطل علينا بين الحين والآخر كتابات انفعالية لبعض المثقفين تفتقد إلى أدنى معايير المنهج العلمي والأكاديمي حيث تنبري أقلامهم بوازع من الغيرة الوطنية أو الغضب الإنساني لمحاكمة العقائد بميزان العواطف ولعل أبرز تجليات هذا القصور هو هجوم بعض المثقفين على موقف الأزهر الشريف ومؤسساته المرجعية بشأن عدم تكفير التنظيمات الإرهابية ومحاولة دمغهم بالكفر دون استناد لآية أو سنة أو قاعدة فقهية بل بدافع الاشمئزاز من بشاعة إجرامهم
ولأن القضية تمس أمننا الفكري قبل دمائنا وجب تبيان تهافت هذا المنهج حمايةً للوعي العام من خلط الجناية بـ العقيدة
أولاً: السقوط في فخ التكفير المضاد
المفارقة الصارخة في خطاب هؤلاء المثقفين هي أنهم وهم يزعمون محاربة الجماعات المتطرفة يسقطون في ذات الخطيئة التي تقوم عليها تلك الجماعات وهي خطيئة التكفير فبينما يكفر المتطرفون الدولة والمجتمع يأتي هؤلاء ليكفروا خصومهم بناءً على بشاعة أفعالهم ليصبح الطرفان وجهين لعملة واحدة كلاهما يتخذ من التكفير سلاحاً لتصفية الخصوم وكلاهما يفتئت على حق الله في الحكم على الضمائر متجاهلين التحذير النبوي الصارم في الحديث الصحيح: مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا رواه البخاري ومسلم
وهذا دليل قاطع على أن الحكم بالكفر مقامٌ جليل لا يطلقه إنسان بناءً على لحظة غضب أو ضيق
ثانياً: الجهل بالفرق بين الجناية والكفر
يقع هذا التيار في خلط فاضح بين الجناية كفعل إجرامي يستوجب القصاص وبين الكفر كحكم عقدي يخرج من الملة والقرآن الكريم وضع حداً فاصلاً بينهما فقد قال تعالى:
مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا
وتوعد القاتل بالخلود في جهنم واللعنة في قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
تأمل معي أيها القارئ فرغم هذا الوعيد الشديد والغضب الإلهي لم يرفع الله عن القاتل وصف الإيمان ولم يخرجه من ملة الإسلام بل سماه ربه مؤمناً عاصياً باغياً كما في قوله تعالى:
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فهذا دليل قاطع على أن الاقتتال والبغي لا يخرجان الفاعل من الإسلام بل يظل مؤمناً عاصياً في حكم العقيدة فإذا كان الله وهو صاحب الحق لم يكفر القاتل رغم بشاعة جرمه فكيف يتجرأ مثقف على اتهام المؤسسة الدينية بالتهاون لأنها التزمت بالميزان الإلهي؟ إن مواجهة الخروج على النظام تكون بإنفاذ العقوبات القانونية والشرعية الرادعة التي يقررها القانون ويحكم بها القضاء وتنفذها السلطة التنفيذية لا بصناعة فوضى عقدية يطلق فيها كل كاتب أحكام الكفر جزافاً
ثالثاً: مخاطر التكفير واستحلال الحرمات
إن فتح باب التكفير بلا ضوابط هو فتيل النار الذي لا يبقي ولا يذر فهو يؤدي حتماً إلى استحلال إراقة الدماء والاعتداء على الأموال وانتهاك الحرمات بدعوى الردة الحكم بالكفر ليس وصفاً إنشائياً يطلقه كاتب غاضب ليبرد به غليله بل هو حكم شرعي جسيم لا يُنطق به إلا من خلال القضاء المختص وبعد استيفاء شروط شرعية صارمة وإقامة الحجة صوناً للدماء وحمايةً للمجتمع من الانزلاق لشرائع الغاب
رابعاً: حراسة العقيدة أم مهادنة الإجرام؟
الأزهـر الشريف لا يصدر أحكامه بناءً على ضجيج منصات التواصل بل يحرس العقيدة من لوثة التكفير التي هي أصل داء الجماعات الإرهابية إن رفض التكفير ليس مهادنة فالأزهر أول من أدان الجرائم وحرض على قتال البغاة ولكنه ضبط للميزان العلمي فالدين يهدي ويرشد والقانون يعاقب ويقتص أما الحكم بالكفر فليس لأحد إلا للجهات المختصة بضوابطها ومتى كفرنا من خالفونا فقد استوينا معهم في الخطيئة ولا يرضى عاقل أن يتاجر في بضاعة التكفير الأسرة
الخلاصة
إن مواجهة التطرف لا تكون بتبني أدوات المتطرفين بل بالتمسك بسيادة القانون واحترام المؤسسات المرجعية إن خطاب التكفير العاطفي فقير علمياً منعدم الاستدلال وخطير الأثر ووجب تبيان تهافته كشفاً للجهالة وحمايةً للوعي العام وسلامة الدين والوطن
عاشت مصر بمؤسساتها الوطنية القوية، وعاش الأزهر حارساً لعقيدة الأمة من غلو المتطرفين وتجرؤ المتحمسين.


