جلسة دافئة بلا كاميرات يقودها عمر ماهر مع تامر فرج حنين السبعينات ودفء العيلة وصيام من نوع آخر عن الناس
في رمضان، لا نحتاج كاميرا كي نحكي، ولا ميكروفون كي نبوح، يكفي قلب هادئ وذكرى قديمة وصوت صادق. هنا، على موقع الصوت، لا نقدم حوارًا صحفيًا تقليديًا، بل نفتح بابًا لليالي رمضانية دافئة، نجلس فيها مع النجوم كما لم ترهم من قبل، بعيدًا عن الأضواء والسباق والشهرة، قريبين من الإنسان الذي يسكنهم. «رمضان بصوت النجوم» ليس برنامجًا يُشاهد، بل حكاية تُسمع بالقلب وتُقرأ كأنها صوت، نقترب فيها من الذكريات والاعترافات والحنين، ونكتشف الوجه الذي لا يظهر أمام الكاميرا.
في رمضان تتغير نبرة الكلام، وتخف سرعة العالم، وتصبح الحكايات أطول قليلًا وأكثر صدقًا، كأن الشهر الكريم يمنحنا رفاهية الاعتراف. ومن هنا جاءت فكرة بودكاست «رمضان بصوت النجوم»، الذي يقدمه الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر، ليس بوصفه حوارًا صحفيًا تقليديًا قائمًا على الأسئلة السريعة والإجابات المقتضبة، بل كجلسة إنسانية ممتدة، أقرب إلى دردشة ما بعد الإفطار، حين يهدأ البيت، ويبرد الشاي، وتخرج الذكريات وحدها إلى الطاولة دون استئذان. في هذه المساحة الهادئة جلس الفنان تامر فرج، لا كنجم على أفيش، ولا كممثل في سباق درامي، بل كطفل قديم يحمل داخله صور رمضان الأول، ويتكلم عنها بصدق لا تصنعه الكاميرات.
بدأت الجلسة بسؤال بسيط في ظاهره، لكنه ثقيل في معناه: إيه أكتر حاجة فقدتها في رمضان دلوقتي ومش موجودة زي زمان؟ لم يحتج تامر فرج إلى وقت طويل للتفكير، وكأن الإجابة كانت جاهزة منذ سنوات تنتظر فقط من يفتح لها الباب، فقال بهدوء ممزوج بشيء من الحسرة إن جيله، جيل السبعينات تحديدًا، افتقد رمضان بالكامل تقريبًا، ليس مجرد تفاصيل صغيرة أو طقوس عابرة، بل الروح نفسها، الطقوس، المسلسلات، البركة، الإحساس العام بالشهر، كل شيء تغيّر أو تلاشى، وكأن رمضان الذي يعرفه كان بيتًا قديمًا هُدم فجأة وبُني مكانه شيء حديث بلا رائحة ولا ذكريات، مؤكدًا أن كثيرًا مما شكّل وعيهم وهم صغار لم يعد موجودًا أصلًا، لا بنفس الشكل ولا بنفس الطعم.
انتقل الحديث طبيعيًا إلى فكرة الشهرة وتأثيرها على الحياة الشخصية، وسأل عمر ماهر: هل الشهرة سرقت منك طقوس رمضانية كنت بتحبها؟ وهنا جاء الرد واضحًا وصريحًا، بلا ادعاء ولا شكوى، قال إن الشهرة الحمد لله لم تغيّر شيئًا جوهريًا في حياته، وإن المشكلة ليست في النجومية بقدر ما هي في الناس والزمن نفسه، فالناس تغيّرت، والموود العام تغيّر، وبقينا نكسل نتقابل أو ندي وقت لبعض، العلاقات لم تعد دافئة كما كانت، والزيارات لم تعد سهلة، لكن الطقوس الحقيقية – كما يراها – تظل بينه وبين ربنا، بين القلب وخالقه، وهذه المساحة تحديدًا لا يمكن للشهرة أن تقترب منها أو تؤثر عليها، لأنها علاقة خاصة جدًا لا يراها أحد.
وعن الوحدة في رمضان، ذلك الشعور الذي يزور كثيرين رغم الزحمة والضجيج، كان سؤاله: إمتى بتحس بالوحدة في رمضان رغم الزحمة حوالينك؟ ابتسم تامر فرج وكأنه يتعجب من الفكرة نفسها، وقال إنه لا يشعر بالوحدة في رمضان أبدًا، لأن الدفء العائلي موجود طوال الوقت، سواء من عيلته الكبيرة أو أسرته الصغيرة، وحتى وجود كلابه وقططه في البيت يمنحه إحساسًا دائمًا بالألفة، وكأن البيت مليء بالكائنات التي تحبه دون شروط، ولذلك لا يجد للوحدة مكانًا وسط كل هذا القرب.
وعندما اقترب الحديث من الجانب الروحاني، وسُئل إن كان لديه دعاء معين يكرره كل عام ولا يعرفه أحد، جاءت الإجابة بسيطة للغاية لكنها صادقة لدرجة مؤثرة، قال إن دعوته المفضلة دائمًا هي: اللهم بلغنا رمضان زائدين غير ناقصين، دعوة قصيرة، لكنها تحمل كل شيء، العمر، الصحة، والقدرة على استقبال الشهر مرة أخرى بقلب سليم.
لكن اللحظة الأكثر حساسية جاءت مع سؤال الذكريات التي تُدمع العين، وهنا تغيّرت نبرة صوته قليلًا، واعترف بأن أكثر ما يهزه من الداخل هو ذكرى التجمعات القديمة حول الفوازير و«ألف ليلة وليلة» والمسلسلات الدينية والتاريخية، وتحديدًا مسلسل «لا إله إلا الله»، وحين يرن في أذنه صوت الفنان محمد رشدي وهو يغني تتر البداية، يشعر بحنين جارف، ويتحسر على اختفاء هذه النوعية من الأعمال التي كانت تقرّبهم من التاريخ والدين بلطف ومحبة، لا بوعظ مباشر، ويقارن بين زمن كانوا فيه يحفظون تترات البداية عن ظهر قلب، وزمن صار فيه زر “تخطي التتر” هو أول ما يضغطه المشاهد.
وبروح خفيفة أعاد عمر الحديث إلى الطفولة وسأله إن كان يستنى المسحراتي أم يختبئ منه، فضحك ضحكة صافية وقال مازحًا: أستخبى ليه هو أنا عليا فلوس؟! ثم أكمل أنه كان ينتظره مثل كل الأطفال، بل وكان أهله يستدعونه خصيصًا لينادي أسماءهم واحدًا واحدًا، وكأن المسحراتي كان جزءًا من العائلة، لا مجرد شخص يمر في الشارع.
أما بعد صلاة التراويح، فكانت هناك عادة لم تختف من ذاكرته أبدًا، وهي الجلوس في الشارع مع الأصدقاء، لا خطط معقدة ولا خروجات مكلفة، مجرد قعدة طويلة وضحك وحكايات، لكنها كانت كافية لصناعة أجمل الليالي.
وحين سألناه لو عاد طفلًا ليلة واحدة في رمضان ماذا سيفعل أولًا، انفجر ضاحكًا وهو يتذكر سباقه القديم مع الثلاجة قبل الفجر، يشرب رشفات ماء كثيرة بين مدفع الإمساك وأذان الفجر، ظنًا منه أنه بذلك يخزن المياه في جسده احتياطًا للعطش، ليكتشف لاحقًا أن كل ذلك كان بلا جدوى، لكنها كانت براءة الطفولة التي تظن أن الحلول البسيطة تنقذ العالم.
وعن التسامح، لم يحتج إلى تفكير، قال إنه يسامح دائمًا، في رمضان أو غيره، لأن الحياة أقصر من أن نضيعها في الغضب من أحد. أما لو أرسل رسالة لنفسه في أول رمضان له داخل الوسط الفني، فسيقول لها ببساطة: ما تزعلش، اتعود إنك هتتسحر وتفطر في اللوكيشن معظم الشهر، في إشارة خفيفة إلى طبيعة المهنة وضغطها.
وفي واحدة من أكثر الجمل صدقًا وتأملًا، اعترف بأنه دائمًا يحتاج إلى “صيام عن الناس”، ليس فقط عن الطعام، موضحًا أنه يميل بطبعه للوحدة والاكتفاء بأسرته الصغيرة وكلابه وقططه، وأن الصوم عن ضجيج البشر أصبح في رأيه ضرورة للحفاظ على الصحة النفسية.
وأخيرًا، حين تخيل نفسه مجرد متفرج أغلق الموبايل وجلس على الكنبة، قال إنه في الأساس ليس من محبي استخدام الهاتف، ويفضل مشاهدة أفلام من أنحاء العالم كلها ليتعلم ويطوّر أدواته ويواكب مستجدات المجال الفني، كأنه لا يزال طالبًا في مدرسة السينما، لا نجمًا يكتفي بما حققه.
هكذا انتهت الجلسة، بلا عناوين صاخبة ولا تصريحات مثيرة للجدل، فقط حكايات صغيرة لكنها حقيقية، عن بيت قديم، ومسحراتي ينادي بالأسماء، وتترات نحفظها، وأصدقاء يجلسون في الشارع بعد التراويح. في «رمضان بصوت النجوم» على موقع الصوت لا نبحث عن الفنان على الشاشة، بل عن الإنسان الذي يسكن داخله، لأن رمضان في النهاية ليس موسمًا للعرض… بل موسمًا للروح. تابعوا حلقاتنا الجديدة يوميًا على الموقع لتستمعوا إلى كل الذكريات والصوت الذي يقربكم من القلب.

