مقال

“بوادر حرب عالمية تظهر بقوة “


كتبت /رحاب الحسيني

رياح الصراع تعود من جديد، لماذا تطالب بريطانيا مواطنيها فجأة بتخزين الغذاء والمياه؟

أثار إعلان الحكومة البريطانية الأخير حالة واسعة من الجدل والترقب، بعد أن وجهت نداءات مباشرة وغير معتادة لمواطنيها تطالبهم فيها بتخزين كميات كافية من الأطعمة المعلبة والمياه، والإستعداد لإحتمالات إنقطاع الخدمات الأساسية

هذا التوجيه لم يكن مجرد نصيحة عابرة، بل جاء بالتزامن مع تحركات رسمية متسارعة لإعادة تفعيل وتحديث ما يُعرف بـ«كتب الحرب» (War Books)، وهي الخطط السرية والبروتوكولات التي تحدد آليات تحرك الوزارات ومؤسسات الدولة بشكل فوري في حال اندلاع أزمات كبرى أو مواجهة تهديدات خطيرة تمس الأمن القومي

وما يضع هذه التحركات في سياق أكثر جدية هو إعلان لندن عن التحضير لتمرين وطني شامل وغير مسبوق للدفاع الداخلي مقرر إجراؤه في عام 2027

لفهم الأسباب الحقيقية وراء هذه الإجراءات، يشير المحللون إلى أن بريطانيا لا تعلن عن حرب ستندلع غدًا، ولا تؤكد حتمية وقوع كارثة وشيكة، لكنها تقرأ تحولاً جذريًا في طبيعة وشكل المخاطر الأمنية حول العالم

فالأمر يتعلق بالانتقال من عقلية الإستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى عقلية الإستعداد المسبق لسيناريوهات كانت تُصنف سابقًا بأنها بعيدة الإحتمال

وتأتي في مقدمة هذه المخاطر تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية واحتمالات توسع رقعة الصراع، إلى جانب التهديدات المتزايدة للهجمات السيبرانية التي يمكن أن تستهدف شبكات الكهرباء، والمياه، والاتصالات، فضلاً عن أزمات الطقس المتطرف الناجمة عن التغير المناخي، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وصولاً إلى الطفرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي باتت تمنح الهجمات الإلكترونية أبعادًا أكثر تعقيدًا وخطورة

لكن ما وراء الستار يكشف عن أبعاد أعمق بكثير ترتبط مباشرة بمواجهة مكتومة بين لندن وموسكو

حيث يربط مراقبون هذه التحذيرات الداخلية بتصاعد حدة التوتر العسكري، لاسيما بعد تقارير تحدثت عن ضربات متبادلة وصفت بأنها نوعية؛ إذ تشير قراءات تحليلية إلى أن التوتر الأخير جاء في أعقاب استهداف منشآت حيوية وقتل ضباط استخبارات، مما دفع بعض المحللين للتحذير من إمكانية رؤية القاذفات الروسية في أجواء قريبة من العواصم الأوروبية

وفي السياق ذاته، أرجعت موسكو خسائر قياسية بمليارات الدولارات لحقت بأكبر مصفاة نفط في موسكو، والواقعة في منطقة “كابوتنيا”، إلى استخدام مئات المسيرات والصواريخ بريطانية الصنع.ولم يعد الدعم البريطاني لأوكرانيا سرًا؛ فقد زودت لندن كييف بترسانة ضخمة من الطائرات المسيرة تفوق التوقعات

ووفقًا لتقارير إعلامية، جرى تسليم نحو 25 ألف مسيرة بريطانية الصنع خلال هذا العام، وسط تأكيدات حكومية بريطانية برفع هذا العدد بإضافة 120 ألف مسيرة أخرى. وكشفت الصحافة البريطانية، لاسيما صحيفة “صنداي تليجراف”، عن طرازات نوعية قلبت موازين المعارك الميدانية، أبرزها مسيرة تحمل اسم “Nyan” يتجاوز مداها 250 ميلًا، إلى جانب طراز آخر أبقت المصادر مواصفاته طي الكتمان لدواعي السرية، مشيرة فقط إلى أن مداه يصل إلى 960 كيلومترًا، مما يسمح بتنفيذ عمليات دقيقة في العمق الروسي، وهو ما ظهرت مؤشراته في استهداف مصافي النفط في “فولجوجراد” و”ياروسلافل”

هذا الانخراط البريطاني المباشر، والذي شمل تقديم مساعدات إجمالية لأوكرانيا بلغت نحو 34 مليار دولار، من بينها 18 مليارًا كمساعدات عسكرية مباشرة تضمنت صواريخ “ستورم شادو” الفتاكة، دفع العلاقات بين البلدين إلى حافة الانهيار الدبلوماسي؛ حيث قامت روسيا بسحب سفيرها من لندن والاكتفاء بتمثيل دبلوماسي على مستوى القائم بالأعمال

في النهاية، يضع هذا المشهد المعقد العالم أمام سؤال جوهري يتجاوز المخاوف البريطانية المباشرة.

لماذا بدأت القوى الكبرى في التعامل مع أسوأ السيناريوهات بإعتبارها خطط عمل واقعية يجب الاستعداد لها من الآن؟

هل نحن أمام مجرد إجراءات احترازية طبيعية في عالم يمر بحالة إضطراب، أم أن المجتمع الدولي يدخل فعليًا مرحلة جديدة ومختلفة تمامًا من الأزمات المتشابكة التي ستعيد تشكيل مفهوم الأمن القومي وحياة الشعوب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى