
كتب / محمد جابر
فوتغرافر لاتيلة الإسكندرية
في إطار الاحتفاء بالحراك الثقافي وتعزيز مكانة الفنون بوصفها إحدى ركائز القوة الناعمة المصرية نظم لاتيلية الإسكندرية جماعة الفنانين والكتاب برئاسة الأستاذ فتحي بركات ندوة ثقافية بعنوان الدور الخلاق للمسرح أبو الفنون وذلك بمناسبة اليوم العالمي للمسرح بحضور نخبة من المثقفين والفنانين والمهتمين بالشأن المسرحي.
استضافت الندوة الأستاذ الدكتور أبو الحسن سلام أستاذ علوم المسرح بكلية الآداب جامعة الإسكندرية فيما قدمها الأستاذ محمود عوضين وكيل وزارة الثقافة الأسبق وعضو مجلس إدارة اللاتيليه.
أكد الدكتور أبو الحسن سلام في مستهل حديثه أن المسرح استحق وصف أبو الفنون لكونه بوتقة تنصهر فيها مختلف أشكال التعبير الفني من الأدب إلى الموسيقى إلى التشكيل البصري مشددا على أن المسرح المصري كان ولا يزال أحد أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي وترسيخ الهوية الثقافية بما يجعله ركيزة أساسية في منظومة القوة الناعمة.
وأوضح أن المسرح لا يقتصر على الترفيه بل يؤدي دور معرفي وتنويري إذ يطرح القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية في إطار جمالي يوازن بين الإمتاع والإقناع وهو ما يعزز قدرته على التأثير في الوجدان العام.
تناول سلام بالتحليل نظرية بريخت خاصة ما عرف بـالتغريب الملحمي التي تقوم على كسر الإيهام المسرحي ودفع المتلقي إلى التفكير النقدي بدلا عن الاندماج العاطفي الكامل. وأشار إلى أن هذه النظرية تسعى إلى تحرير وعي الجمهور عبر تقديم الواقع بصورة تكشف تناقضاته مؤكدا أن المسرح هنا يتحول إلى أداة تغيير اجتماعي.
وربط سلام بين أفكار بريخت وبعض الشعارات ذات البعد الاجتماعي مثل الأرض لمن يزرعها والمصنع للعمال باعتبارها تعبيرات عن توجهات مسرحية تسعى إلى العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الأدوار في بنية المجتمع.
استعرضت الندوة أصول الكتابة المسرحية حيث شدد أبو الحسن على أن الحوار هو التعبير الأصدق عن المشاعر وأن نجاح النص المسرحي يرتبط بقدرته على تحقيق التوازن بين البساطة والعمق بعيدا عن الإبهام والتعقيد غير المنتج.
وأكد أن الجمال في المسرح يتجلى في الحميمية والوضوح وأن إعطاء كل شخصية درامية مساحتها التعبيرية وفق احتياجاتها النفسية والفكرية يعد من أهم شروط البناء الدرامي المتماسك مشيرا إلى أن مبدأ خذ على قدر حاجتك يمكن إسقاطه فنيا على توزيع الأدوار والحوار داخل النص.
تطرق الدكتور سلام إلى مفهوم الثنائية بوصفه عنصر جمالي يثري العمل لمسرحي حيث تتجاور المتناقضات مثل الروعة والقبح الخير والشر في إطار يخلق حالة من التشويق والتوازن.
كما استعرض مفهوم التعادلية عند توفيق الحكيم والتي تقوم على فكرة الوسطية وتحقيق التوازن بين الاتجاهات المتضادة معتبرا أنها تمثل رؤية فلسفية تسعى إلى احتواء التناقضات داخل بنية فنية متماسكة.
ناقشت الندوة كذلك تقنيات البناء الزمني في المسرح مشيرة إلى إمكانية أن يبدأ العمل حدثيا ويتطور رجوعيا بما يفتح آفاق جديدة في السرد المسرحي ويكسر النمط التقليدي.
وأكد سلام أن من أهم سمات المسرح المعاصر رفض المألوف والسعي إلى التجريب سواء في الشكل أو المضمون بما يواكب التحولات الفكرية والاجتماعية.
أبرزت الندوة أهمية الحافز الوطني والقومي في توجيه الخطاب المسرحي حيث يسهم المسرح في ترسيخ قيم الانتماء والوعي بالهوية.
كما تناولت دور مخرج السينوغرافيا في تشكيل الصورة البصرية للعمل المسرحي مؤكدا أن السينوغرافيا لم تعد عنصر تكميلي بل أصبحت شريك أساسي في صياغة الدلالة الفنية.
اختتمت الندوة بالتأكيد على التمييز بين الحقيقة الفنية والحقيقة التاريخية حيث لا يلتزم المسرح بنقل الواقع كما هو بل يعيد تشكيله وفق رؤية جمالية وفكرية بما يحقق غايته في التأثير والإقناع
وقد شهدت الندوة تفاعل ملحوظ من الحضور الذين أثنوا على ثراء الطرح وعمق المعالجة مؤكدين أهمية استمرار مثل هذه الفعاليات في دعم الحركة المسرحية وتعزيز دورها في تشكيل الوعي الثقافي بما يعكس مكانة مصر الريادية في مجال الفنون.

