النَّمِيمَةُ…سُمٌّ يَهْدِمُ القُلُوبَ وَالمُجْتَمَعَات

بقلم الأديب د. محمود طه
النَّمِيمَةُ ليستْ مجرَّدَ كلماتٍ تُتَداوَلُ بينَ الأشخاص، بل هي طعناتٌ في الأرواحِ دونَ دماء، ينزفُ أصحابُها من الداخلِ بسببِ ما تتركهُ في نفوسهم من ألمٍ ووجعٍ وانكسار.
فالنَّمِيمَةُ دليلٌ على ضعفِ الأخلاقِ ونقصٍ داخليٍّ يحاولُ بعضُ الأشخاصِ تعويضَهُ عبرَ التقليلِ من الآخرين. وقد يجدُ البعضُ لذَّةً في نقلِ أسرارِ الناسِ وهدمِ العلاقاتِ بينهم، غيرَ مدركينَ حجمَ الخرابِ الذي يزرعونهُ في القلوب.
وهي خُلُقٌ ذميمٌ نهى عنهُ الإسلامُ أشدَّ النهي، فقالَ رسولُ الله ﷺ:
«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ».
كما أنَّ النَّمِيمَةَ تُطفئُ نورَ القلب، لأنَّ النفسَ تنشغلُ بعيوبِ الآخرين، وتتبُّعِ أخبارِهم، ونقلِ كلامِهم، والعملِ على إفشائِه. ويظنُّ النمَّامُ أنَّهُ كلَّما قلَّلَ من الآخرين ارتفعَ شأنُهُ وارتقى، بينما الحقيقةُ أنَّ هذا التصرُّفَ سلوكٌ مذمومٌ يُسقطُ صاحبَهُ أخلاقيًّا وإنْ ظنَّ غيرَ ذلك.
وكمْ من أُسَرٍ أثَّرتْ فيها النَّمِيمَةُ، فأدخلتِ الشكَّ في العلاقات، وأطفأتْ نورَ البيوت، ونشرتِ الكراهيةَ والضغائنَ بينَ أفرادِها.
فلا طمأنينةَ، ولا سلامَ، ولا محبَّةَ بوجودِ النَّمِيمَةِ. فالعقولُ التي تنشغلُ بعيوبِ الآخرين تفقدُ السلامَ الداخلي، وتنطفئُ فيها شُعلةُ الأملِ والمحبَّة.
فقد يتحدَّثُ الإنسانُ مع شخصٍ في أمرٍ خاصٍّ، ثم يفاجأُ بأنَّ كلامَهُ قد نُقِلَ إلى طرفٍ آخرَ، فيفسدُ ذلكَ العلاقةَ بينهما، وتتحوَّلُ المودَّةُ إلى كراهية، بسببِ هذا الفعلِ المشين.
وفي علمِ النفس، يرى المختصُّون أنَّ النَّمِيمَةَ تعكسُ نقصًا داخليًّا، أو شعورًا دفينًا بعدمِ القيمة. لذلكَ يحاولُ بعضُ الأشخاصِ لفتَ الانتباهِ إليهم عبرَ نقلِ الكلامِ وإثارةِ الفتن، ظنًّا منهم أنَّ ذلكَ يمنحُهم أهميَّةً أو مكانةً بينَ الناس.
أمَّا الإنسانُ الراقي، فهو الذي لا يُفتِّشُ في عيوبِ الآخرين، ولا يعبثُ بأسرارِهم وأماناتهم، ولا يُبعثرُ الكلامَ يمينًا ويسارًا بحثًا عن جذبِ الانتباه. لأنَّ الرُّقيَّ الحقيقيَّ يكونُ بحسنِ الخُلُقِ، لا بإفسادِ العلاقات.
فالنَّمِيمَةُ تتركُ أثرًا سلبيًّا خطيرًا في المجتمعات، إذ تُصيبُها بالتفكُّكِ وعدمِ الترابط. فهي كالسُّمِّ الذي يجري في الشرايين، فيملأُ القلوبَ بالحقدِ والكراهيةِ والضغينة، فيُفسدُ المجتمعاتِ بدلًا من بنائِها.
ولذلكَ تُعَدُّ النَّمِيمَةُ مرضًا خطيرًا يُصيبُ القلوبَ والأرواح. وإذا لم تُواجَهْ هذه الآفةُ بالتوعيةِ والإصلاح، فسوفَ تتفكَّكُ الأُسَرُ، وتضعفُ المجتمعاتُ، وتنهارُ القيمُ والأخلاق.
ومن هنا تأتي أهميَّةُ توعيةِ الأفرادِ بخطورةِ النَّمِيمَةِ، عبرَ البرامجِ الثقافيَّةِ والاجتماعيَّةِ والدينيَّةِ، وتعليمِ الناسِ مدى حرمةِ هذا الفعلِ وأثرِه الخطيرِ في القلوبِ والعلاقات.
فالقلوبُ النقيَّةُ لا تبحثُ عن عيوبِ الآخرين، ولا تُفتِّشُ في أسرارِهم، ولا تنشغلُ بأمورِهم الخاصَّة، وإنَّما تنشغلُ بإصلاحِ الذاتِ ونشرِ الكلمةِ الطيِّبة؛ لأنَّ للكلمةِ الطيِّبةِ أثرًا عظيمًا في القلوب، ينعكسُ إيجابًا على المجتمعاتِ ونهضتِها.



