بقلم/نشأت البسيوني
في زحمة الأيام وانشغال الناس وصوت الحياة الذي لا يهدأ ينسى الانسان أن داخله نورا صغيرا لا يراه أحد لكنه يحافظ عليه من الانطفاء نور يولد معه ويكبر معه ويقوده حين تتداخل الطرق وتتشابه الوجوه وتثقل الروح هذا النور لا يعلو صوته ولا يفرض وجوده لكنه يبقى موجودا حتى في أشد اللحظات ظلمة وحتى في أكثر الأوقات انكسارا وحتى عندما يختفي كل شيء كان يمنح
الانسان طاقة للمواصلة ومع مرور السنوات يتعرض هذا النور للخذلان وللحزن وللفقد وللكلمات التي تترك أثرا لا يشفى وللأيام التي تسحب من الروح ما تبقى من هدوء ومع ذلك يبقى النور حاضرا ينتظر اللحظة التي يسمع فيها الانسان صوته الخافت الذي يقول له انه ما زال قادرا على الوقوف وان ما كسره يمكن ترميمه وان الطريق الذي تعثر فيه يمكن السير عليه من جديد ثم تأتي
لحظة يشعر فيها الانسان بالثقل الذي لا يعرف مصدره يشعر بانطفاء لا يفهم سببه يتساءل لماذا تغير كل شيء ولماذا صار التعب رفيقا له ولماذا فقد قدرته على الفرح فيكتشف بعد تفكير طويل ان المشكلة ليست في العالم من حوله بل في أنه نسي ذلك النور الذي بداخله تركه وحده في العتمة تركه يضعف دون أن يسانده تركه يصغر كلما كبر هو في العمر وعند هذه اللحظة يبدأ الانسان في
استعادة نفسه يبدأ في جمع شتاته يبدأ في البحث عن النور الذي غاب حياته كلها دون أن يختفي عنه فعلا يبدأ في مداواة جروحه في تهدئة قلبه في اختيار الأشخاص الذين يشبهونه والطرق التي تريحه والأماكن التي تمنحه شعورا بأنه بخير يبدأ في فهم أن النور الداخلي لا ينطفئ مهما حدث لكنه يحتاج لمن يحميه لا لمن يهمله
ومع الوقت ينمو هذا النور من جديد يلمع أكثر مما كان يتوهج في
المواقف التي كادت تكسره ويضيء في الليالي التي فقد فيها كل شيء يعيده للحياة يذكره بقيمته يفتح أمامه أبوابا لم يرها من قبل ويجعله يعرف أن الانسان لا يهزم طالما تمسك بنوره وأن أقسى اللحظات قد تكون بداية القوة وأن ما ينقذه دائما ليس ما يعطيه الآخرون بل ما يحمله هو في داخله يفهم الانسان أن النور الحقيقي ليس في العالم الخارجي بل في روحه وأن الحياة تصبح أخف حين
يعتني بهذا النور وأعمق حين يحميه وأجمل حين يدرك أن كل شيء يبدأ من الداخل وأن الطريق مهما كان مظلما يمكن أن يُرى بوضوح حين يتذكر أن بداخله ضوءا لا ينتبه له أحد لكنه قادر على إنقاذه كل مرة دون أن يخذله









