مقال

المُعَلِّمُ بَيْنَ وَاجِبِ العَمَلِ وَمَخاطِرِ الطَّرِيقِ


بِقَلَمِ: جَمالِ القاضِي

مِنْ أَسْوانَ إِلَى البُحَيْرَةِ، وَمِنَ البُحَيْرَةِ إِلَى البُحَيْرَةِ… رِحْلَةُ قَرارٍ انْتَهَتْ بِالمَوْتِ.
لقد عاشَتْ محافظةُ أسوانَ ومحافظةُ البحيرةِ مأساةً هزَّتْ قلوبَ الملايينِ، إثرَ تعرُّضِ الأستاذةِ صفاء علي، كبيرِ أخصائيِّي مدرسةِ التجارةِ المتقدِّمةِ التابعةِ لإدارةِ أسوانَ التعليميةِ، لحادثٍ أليمٍ أثناءَ توجُّهِها لأعمالِ الملاحظةِ بإحدى مدارسِ إدارةِ كفرِ الدوارِ، وكانتْ نتيجتُه فقدانَ حياتِها. وقد راحَ الكثيرونَ يُبرِّرونَ ويَنْفُونَ مسؤوليتَهم عن هذا الحادثِ، غيرَ أنَّ كلَّ مسؤولٍ كان سببًا في تحريرِ خطابِ ندبٍ لأعمالِ الامتحاناتِ من محافظةِ أسوانَ إلى محافظةِ البحيرةِ، فهو شريكٌ في النتائجِ.

ولم ينتهِ سيناريو الحوادثِ على طريقِ الموتِ؛ فالحادثُ الذي كانتْ ضحيَّتُه الأستاذةُ الفاضلةُ قد هزَّ قلوبَ الأهلِ وكلِّ مَن سمعَ عنه، وهناكَ غيرُه كثيرٌ من الحوادثِ التي تتعرَّضُ لها المعلماتُ، كما يحدثُ على الطريقِ الصحراويِّ لهؤلاءِ المعلماتِ اللاتي تمَّ تعيينُهنَّ مؤخرًا ضمنَ مسابقةِ الثلاثينَ ألفَ معلِّمٍ، من أبناءِ مركزِ كوم حمادةَ إلى المدارسِ التابعةِ لإدارةِ النوباريةِ.

والسؤالُ هنا، في الحالةِ الأولى الخاصةِ بانتدابِ السادةِ المعلِّمينَ والمعلِّماتِ من أقصى جنوبِ محافظاتِ الصعيدِ إلى أقصى شمالِ الجمهوريةِ للمشاركةِ في أعمالِ الامتحاناتِ: هل فقدتْ محافظاتُ الشمالِ في الوجهِ البحريِّ المعلِّمينَ في مدارسِ التعليمِ الفنيِّ؟ ألم يكنْ من الممكنِ صيانةُ القرارِ من قِبَلِ مسؤولي الكنترولاتِ بأنْ يكونَ الانتدابُ في المدارسِ القريبةِ من الإدارةِ التابعِ لها المعلِّمُ، أو داخلَ إحدى الإداراتِ التابعةِ للمحافظةِ؟

وإنْ كانَ الانتدابُ إلى خارجِ المحافظةِ يتمُّ برغبةِ المعلِّمِ، فهل كانَ المقابلُ المادِّيُّ لذلك دافعًا فعليًّا له؟ والإجابةُ عن هذا السؤالِ أنَّ المقابلَ المادِّيَّ لم يكنْ مُجديًا أبدًا؛ إذ لا يتجاوزُ ثمانينَ جنيهًا، بالإضافةِ إلى بدلِ السفرِ. فهل يُعقَلُ أن يكونَ هذا المقابلُ حافزًا مادِّيًّا يجعلُ أيَّ معلِّمٍ يطمعُ في الابتعادِ عن أبنائِه وأسرتِه لمدةٍ تقتربُ من أسبوعينِ؟ إنَّما هو قرارٌ اتَّسمَ بالتعمُّدِ والتعنُّتِ في التوزيعِ، دونَ مراعاةٍ لرغباتِ وظروفِ المعلِّمينَ والمعلِّماتِ من حيثُ القربُ أو البُعدُ عن محلِّ إقامتِهم.

أمَّا الحالةُ الثانيةُ، فهي قرارُ تعيينِ المعلِّمينَ والمعلِّماتِ من الدفعاتِ الأولى وحتى الرابعةِ ضمنَ مبادرةِ الثلاثينَ ألفَ معلِّمٍ، حيثُ تمَّ تعيينُ عددٍ ممَّن اجتازوا اختباراتِ المسابقةِ من أبناءِ مركزِ كوم حمادةَ في المدارسِ التابعةِ لإدارةِ النوباريةِ، والتي تبعدُ مسافاتٍ تحتاجُ إلى سفرٍ لا يقلُّ عن أربعِ ساعاتٍ ذهابًا ومثلِها إيابًا، فضلًا عمَّا قد يتعرَّضُ له الكثيرونَ منهم من حوادثَ نتيجةَ محاولاتِ عبورِ الطريقِ الصحراويِّ للعودةِ مرَّةً أخرى إلى منازلِهم. كما أنَّ بعضَ القرى الواقعةِ على هذا الطريقِ يعملُ في مدارسِها كثيرٌ من هؤلاءِ المعلِّمينَ، فيكونُ المعلِّمُ ضحيةً لا يلتفتُ إليها أحدٌ من المسؤولينَ، وقد يُبرَّرُ موتُه على أنَّه مجازفةٌ منه نتيجةَ عبورِه الطريقَ الصحراويَّ، وكأنَّه وحدَه مَن يتحمَّلُ نتيجةَ ذلك.

والسؤالُ هنا: ألم يكنْ هناكَ معلِّمونَ ناجحونَ في المسابقةِ من المراكزِ القريبةِ لهذه الإدارةِ؟ ولماذا يُتعمَّدُ إيذاءُ المعلِّمِ مادِّيًّا بنقلِه خارجَ نطاقِ المركزِ الذي يُقيمُ فيه إلى مدارسَ تبعدُ كثيرًا عن محلِّ إقامتِه، الأمرُ الذي يجعلُه يُنفِقُ ما يزيدُ على ثلاثةِ آلافٍ وخمسمائةِ جنيهٍ شهريًّا على النقلِ والمواصلاتِ، في حينِ أنَّ راتبَه يتراوحُ بينَ خمسةِ آلافٍ ومائتَيْ جنيهٍ وخمسةِ آلافٍ وستمائةِ جنيهٍ؟ فهل يكفي المتبقِّي من راتبِه للعيشِ والإنفاقِ على أسرتِه؟ وهل يستحقُّ أن يُجازفَ يوميًّا بعبورِ طريقِ الموتِ ليبقى على قيدِ الحياةِ؟

إنَّنا نعيشُ مأساةً حقيقيَّةً من التعنُّتِ الإداريِّ في إصدارِ قراراتٍ لم تكنْ أبدًا في صالحِ مَن صدرتْ بحقِّهم هذه القراراتُ، في حينِ أنَّ الأمرَ لا يستدعي هذا التشدُّدَ، خاصةً أنَّ هناكَ مرونةً لا تؤثِّرُ على أحدٍ من المسؤولينَ، بل تصبُّ في صالحِ العملِ وصالحِ المواطنِ.

لذا فإنَّ لنا رجاءً واستغاثةً نوجِّهُها مع المواطنِ إلى السادةِ المسؤولينَ الموكلةِ إليهم مهمَّةُ اتخاذِ القرارِ، سواءٌ فيما يتعلَّقُ بانتداباتِ السادةِ المعلِّمينَ، أو بالمعلِّمينَ والمعلِّماتِ الذينَ تمَّ تعيينُهم مؤخرًا ضمنَ مسابقةِ الثلاثينَ ألفَ معلِّمٍ.

أولًا:إعادةُ النظرِ في توزيعِ السادةِ المعلِّمينَ المنتدَبينَ للمشاركةِ في أعمالِ الامتحاناتِ، بما لا يضرُّ بحالتِهم الصحيَّةِ أو المعنويَّةِ أو المادِّيَّةِ، وذلكَ بانتدابِهم إلى مدارسَ داخلَ نطاقِ المحافظةِ أو قريبةٍ من إداراتِهم الأصليَّةِ.

ثانيًا: نوجِّهُ استغاثةً بسرعةِ النظرِ بعينِ الرحمةِ في نقلِ مَن تمَّ تعيينُهم من أبنائِنا المعلِّمينَ والمعلِّماتِ بمدارسِ إدارةِ النوباريةِ، وإعادتِهم إلى إداراتِهم الأصليَّةِ، وخاصةً التابعينَ لمركزِ كوم حمادةَ بمحافظةِ البحيرةِ، وكذلكَ إعادةِ جميعِ مَن تمَّ تعيينُهم خارجَ المراكزِ التابعينَ لها، أو نقلِهم إلى أقربِ إدارةٍ لمحلِّ سكنِهم، حفاظًا على سلامتِهم وتقليلًا للمخاطرِ التي قد يتعرَّضونَ لها.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *